الدمار في غزة كارثة بيئية
بقلم مجهول
لا تعرف الطّبيعة حدودًا سياسيّة. فالجداول والنّباتات والحيوانات تعبر الحدود بين الكيانات السّياسيّة. وبالمثل، فإن تلوّث الهواء والبحر والأنهار، والأمراض المعدية المنقولة بالمياه، كالكوليرا وشلل الأطفال، والأمراض الّتي ينقلها البعوض كالملاريا وحمّى غرب النّيل وحمّى الضّنك، لا تتوقّف عند الحدود السّياسيّة. للحرب آثار خطيرة على الموارد الطّبيعيّة العابرة للحدود والنّظم البيئيّة الدّاعمة للحياة في منطقتنا، فضلًا عن قدرتها على الاستعداد لتغيّر المناخ وتطوير القدرة على التّكيّف معه. نتيجةً للحرب، انهارت معظم أنظمة دعم الحياة والبنية التّحتيّة الحيويّة في غزّة. وكان لهذا الانهيار أثرٌ واسع النّطاق على الصّحة العامّة والبيئة. فقد انهارت معظم أنظمة دعم الحياة والبنية التّحتيّة الحيويّة في غزّة، المياه، والصّرف الصّحّيّ، ومعالجة النّفايات، وقطاع الطّاقة، والنّظام البيئيّ. لهذا الانهيار تأثير واسع النّطاق على الصّحّة العامّة وعلى البيئة. كما أنه يُسرّع من آثار تغيّر المناخ، الّذي يُعدّ بالفعل التّحدّي الأكبر الّذي يواجه منطقتنا على المدى البعيد.
حتى قبل اندلاع الحرب في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، كانت معظم مياه غزّة ملوّثة وغير صالحة للشّرب. قبل الحرب، كانت مصادر المياه الرّئيسيّة هي المياه الجوفيّة، وتحلية المياه، والمياه القادمة من إسرائيل ومصر. منذ بداية الحرب، وبسبب الأضرار الّتي لحقت بالبنية التّحتيّة، ولا سيّما إمدادات التّيار الكهربائيّ، توقّفت تحلية مياه البحر. انخفض تدفّق المياه من إسرائيل انخفاضًا ملحوظًا. كما تأثّرت قدرة ضخّ المياه من الآبار بشدّة نتيجة صعوبة الوصول إليها ونقص الكهرباء. يعاني قطاع غزّة حاليًّا من نقص حادّ في مياه الشّرب.
شباب وأطفال فلسطينيون يساعدون في دفع عربة يجرها حمار تحمل مياه الشرب في حاويات مختلفة. غزة. ١٢ نيسان ٢٠٢٥. صورة: فادي ثابت (لوكالة الأونروا)
إن إمدادات المياه في غزّة، فضلًا عن جوانب أخرى من الصّحّة العامّة، مهدّدة أيضًا بسبب تعطّل شبكات الصّرف الصّحّيّ في القطاع منذ بداية الحرب. ويتمّ توجيه جزء من مياه الصّرف الصّحّيّ إلى خزّانات، بعضها معرّض لخطر الانهيار. كما توجد مناطق ينتشر فيها استخدام خزّانات الصّرف الصّحّيّ على نطاق واسع ولكن بشكل غير كافٍ، وهي أيضًا معرّضة لخطر الانهيار. بالإضافة إلى ذلك، هناك تدفّق واسع النّطاق لمياه الصّرف الصّحّيّ الخام الى سطح الارض في المناطق المأهولة بالسّكان، مما يزيد من خطر تعرّض السّكان لمياه الصّرف الصّحّيّ والنّفايات السّائلة، سواء عبر الملامسة أو الاستنشاق للبكتيريا والفيروسات. هناك مخاوف من تسرّب مياه الصّرف الصّحّيّ من خزّانات الصّرف الصّحّيّ السّطحيّة والمصارف إلى المياه الجوفيّة في منطقة غزّة، القريبة جدًّا من سطح الأرض، مما يزيد من خطر تلوّث مياه الشّرب. يُعدّ التّلوّث البيولوجيّ مصدر قلق مباشر، بينما يُشكّل التّلوّث الكيميائيّ مصدر قلق بالغ آخر.
يؤدّي غياب معالجة النّفايات الصّلبة إلى تراكم أكوام هائلة منها، بما في ذلك النّفايات الخطرة، ممّا يزيد من خطر انتشار الأمراض وتسرّب عصارة النّفايات إلى المياه الجوفيّة القريبة من سطح الأرض. يشمل غياب معالجة النّفايات جميع أنواع النّفايات، بما في ذلك النّفايات السّامّة والخطرة والطّبّيّة. وفي ظلّ غياب إدارة فعّالة للنّفايات، يتسبّب حرقها العشوائيّ في تلوّث الهواء. ومع انعدام الكهرباء والغاز والحطب للطّهي، يُستخدم البلاستيك كوقود للطّهي في المخيّمات. ويؤدّي حرق البلاستيك إلى تلوّث الهواء بالمواد الكيميائيّة. تتجوّل الكلاب الضالّة حول أكوام القمامة، التي قد تنقل الأمراض.
تراكمت أطنان من النفايات بالقرب من المناطق المأهولة بالسكان في غزة، مما يشكل مخاطر بيئية وصحية كارثية. غزة، ٢٥ حزيران ٢٠٢٤. صورة: أشرف أبو عمرة (لوكالة الأونروا)
تُعدّ مخلّفات البناء تحديًّا بيئيًّا بالغ الأهمّيّة. فقد دُمّر أو تضرّر معظم المباني في غزّة خلال الحرب، ويوجد حاليًّا أكثر من ٥٣ مليون طنّ من الردم ومخلّفات البناء والبنية التّحتيّة في القطاع. ونظرًا لاستخدام الأسبست في العديد من المباني، ينتشر غبار الأسبست في مواقع الهدم، وهو مادّة شديدة الخطورة عند استنشاقها. يشكّل التّلوّث الهوائيّ الكثيف النّاتج عن القصف وحرق النّفايات خطرًا جسيمًا على الصّحة، ويؤثّر بشكل رئيسيّ على الفئات الأكثر حساسيّة، مثل كبار السّن، والمصابين بأمراض مزمنة كالجهاز التّنفسيّ والقلب، والنّساء الحوامل، والرّضّع، والأطفال. وبين أنقاض المباني توجد أيضًا معادن ثقيلة وذخائر غير منفجرة. إضافة إلى ذلك، دُفنت جثث العديد من البشر والحيوانات تحت الأنقاض.
أكثر من ٥٣ مليون طن من مخلفات البناء والبنية التحتية. الدمار الناجم عن القصف الإسرائيلي لمخيم جباليا للاجئين، ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٤. الصورة: حسين جابر (لوكالة الأونروا)
في قطاع الطّاقة، تضرّر أو توقّف معظم عمليات إنتاج الكهرباء، بما في ذلك محطّات توليد الطّاقة والمولّدات والألواح الشّمسيّة. وبسبب نقص الوقود، باتت البنية التّحتيّة القائمة بالكاد تعمل. ونتيجة لذلك، تضرّر العديد من الخدمات الصّحّيّة والبيئيّة الأساسيّة الّتي تتطلّب الطّاقة، بما في ذلك نقل المياه والصّرف الصّحّيّ، وجمع النّفايات، بالإضافة إلى خدمات الصّحّة والتّعليم والنّقل. وتشير أحدث البيانات الّتي تغطّي الفترة الّتي سبقت مباشرةً وقف إطلاق النّار الّذي بدأ في ١٠ أكتوبر ٢٠٢٥، إلى أنّ الطّهي يستهلك أكبر قدر من الطّاقة في المنازل، ويمثّل تحديًّا يوميًّا. في ظلّ غياب البنية التّحتيّة، تُستخدم المولّدات الكهربائيّة على نطاق واسع، إلّا أنّها غير موثوقة وملوّثة للبيئة.
في غزّة، كان النّظام البيئيّ متدهورًا ومتضرّرًا حتّى قبل الحرب. ومنذ عام ٢٠٢٣، تضرّرت أو قُطعت نحو ٩٠٪ من أشجار المزارع وكذلك معظم الأشجار البريّة. هناك ايضًا تلوّث بحريّ، وبشكل عام يُعاني النّظام البيئيّ من الانهيار.
يعدّ تغيّر المناخ أحد أكبر التّحدّيات الّتي تواجهه منطقتنا. وقد حذّرت أكثر من مئتي مجلّة عالميّة رائدة في مجال الصّحّة والطّب عام ٢٠٢١ من أنّ تغيّر المناخ هو الخطر الأكبر الّذي يهدّد الصّحّة العامّة في العالم. تُعتبر منطقة الشّرق الأوسط بؤرة ساخنة لتغيّر المناخ، حيث تتميّز بارتفاع معدّلات الحرارة عن المتوسّط العالميّ، إلى جانب شحّ المياه والجفاف والكثافة السّكّانية العالية. في صيف عام ٢٠٢٥، سادت موجة حرّ شديدة في أجزاء واسعة من إسرائيل وقطاع غزة. تشكّل الحرارة الشّديدة خطرًا على الصّحّة وترتبط ارتباطًا مباشرًا بزيادة معدّلات الوفيات والإصابة بالأمراض، بما في ذلك زيادة خطر الإصابة بالنّوبات القلبيّة والسّكتات الدّماغية والأمراض المزمنة والأمراض المعدية، لا سيما بين كبار السّن، والمرضى المصابين بأمراض مزمنة، والرّضّع والأطفال دون سنّ الخامسة. كما أنّ اختلال توازن السّوائل بسبب عدم كفاية الشّرب يزيد من قابلية خطر الإصابة بالجفاف وضربة الشّمس وتضرّر الكلى. يُعدّ سوء التّغذية عاملًا خطرًا أيضاً بسبب ضعف جميع أجهزة الجسم، بما في ذلك أجهزة تنظيم درجة الحرارة. وكان الوصول إلى مراكز توزيع الغذاء خلال فصل الصّيف يتطلّب المشي عدّة كيلومترات ذهاباً وإيابًا، وهو ما كان يشكّل تحديًّا خاصًّا للفئات السّكانية الضّعيفة، في جميع الظّروف الجويّة، وخاصّة في ظل الحرارة الشّديدة. ولا توجد أيّ وسائل للحماية من الحرارة في غزّة.
ألحقت الحرب دمارًا هائلًا بالبيئة الزراعية والطبيعية في غزة. جرافة إسرائيلية من طراز D9R وجنود في غزة، ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٣. الصورة: المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي
إذا كان تغيّر المناخ هو أكبر خطر يواجه عالمنا، فإنّ ضرورة التّعامل معه تتيح لنا، بل ويقول البعض إنّها تفرض علينا، إمكانيّات وأطر عمل جديدة. في يوليو ٢٠٢٣، أيّ في صيف ما قبل السّابع من أكتوبر، نُشر تقريرٌ أشار إلى أنّ تحدّي تغيّر المناخ يُشكّل فرصةً استثنائيّةً للتّعاون الإقليميّ، والنّمو الاقتصاديّ المستدام، وفرصًا هائلةً في مجالات الاقتصاد والزّراعة والغذاء والمياه والطّاقة والصّحّة، فضلًا عن تعزيز الاستقرار السّياسيّ الإقليميّ. إنّ تغيّر المناخ لا يتوقّف بسبب الحروب، بل على العكس. تؤدّي النّزاعات والحروب إلى إضعاف القدرة على الاستعداد لتغيّر المناخ وبناء القدرة على التّكيّف معه. وحتّى بعد انتهاء الحرب، لا يزال التّحدي والفرصة قائمين. خلال الحرب، لم تؤثّر الكارثة البيئيّة والتّحدي المناخيّ في غزّة على الفلسطينيّين فحسب، بل على جميع سكّانها، بمن فيهم الرّهائن والجنود. فعلى سبيل المثال، أدّى تلوّث المياه وارتفاع درجات الحرارة إلى تدهور صحّة الرّهائن، كما وردت تقارير عن إصابة الجنود بجفاف شديد. إنّ التّأثير على البيئة والصّحّة في غزّة يتجاوز حدودها إلى إسرائيل، وسنرى نتائجه لعقود قادمة.
برؤية مستقبلية، واستنادًا الى النهج المسمّى “إعادة البناء بشكل أفضل”، نشر مؤخّراً معهد وادي عربة بالشرّاكة مع مؤسّسة الدّامور الفلسطينيّة للتّنمية المجتمعيّة، مقترحًا لإعادة تأهيل تحويليّة. يتضمّن هذا البرنامج حلولًا مستدامة تستند على الطبيعة والبنية التحتيّة غير المركزية. ويرتكز هذا النهج على ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى، تلبية الاحتياجات الأساسيّة والعاجلة، بما في ذلك توفير المياه والصّرف الصّحّيّ والبنية التّحتيّة الصّحّية الحيويّة، وإنشاء الملاجئ وخدمات الطّوارئ، والتخلّص من النّفايات. في المرحلة الثّانية، بناء بنية تحتيّة موزّعة تعمل بالطّاقة الشّمسيّة المتجدّدة، بما في ذلك البنية التّحتيّة للطّاقة والبنية التّحتيّة المناسبة للمياه والصّرف الصّحّيّ والنّظافة في المناطق غير المتّصلة بالشّبكة المركزيّة، إلى جانب تطوير القدرات المحليّة والقيادة ومرونة المجتمع، والتّفكير التّعاونيّ في إيجاد الحلول مع الشّركاء والنّاشطين على أرض الواقع. وفي المرحلة الثّالثة، يشمل التّغيير العميق والتّحويليّ تعزيز العدالة البيئيّة، وإعادة التّأهيل البيئيّ، وتطوير القدرة على التّكيف مع تغيّر المناخ، وضمان الاستقرار الماليّ للبنية التّحتيّة المستدامة في مجالات البيئة والصّحّة. بدأت أنشطة معهد وادي عربة في غزّة في هذه المجالات حتّى قبل الحرب، وفي إطارها، تمّ إدخال وتشغيل عدد من الأنظمة المستدامة خارج الشبّكة بنجاح في غزّة، بما في ذلك أنظمة إنتاج مياه الشّرب من الهواء من شركة ووترجين، وأنظمة تنقية مياه الصّرف الصّحّيّ البيولوجيّة من شركة لاجونا، وأنظمة الغاز الحيويّ، والطّاقة الشّمسيّة. يمكن لهذه الحلول أن تسهم في تلبية الاحتياجات الصّحّيّة والبيئية الأساسيّة للسّكان في مجالات المياه والصّرف الصّحّيّ والطّاقة والطّهي، دون التّسبّب في تلوّث بيئيّ. إنّ إنهاء الحرب وإحداث تغيير جذريّ في الواقع السّياسيّ في غزّة أمران ضروريّان لحماية صّحّة الإنسان والبيئة في منطقتنا على المدى القريب والبعيد.