تخطى إلى المحتوى

الاستعمار عبر “التّعهيد الخارجيّ”

متان كامينر

في صباح أحد أيّام نيسان عام ١٩٥٦، عبر عدد من اللّاجئين الفلسطينيّين الحدود من قطاع غزّة إلى حقول كيبوتس ناحل عوز، وشرعوا في حصاد الذّرة البيضاء. كانت هذه حادثة واحدة ضمن سلسلة طويلة من الاحتكاكات الّتي وثّقها في يوميّاته ضابط أمن الكيبوتس، روعي روطبرغ. تكشف اليوميّات أن روتبرغ اعتاد على تسلّل “العرب القذرين” و”العرب المساكين” هؤلاء؛ لكن في ذلك الصّباح، حين امتطى حصانه متّجهًا نحو الحاصدين، قُتل بنيران كمين. في جنازته الّتي أُقيمت في اليوم التّالي، لخّص رئيس الأركان موشيه دايان عمل روطبرغ وحياته وموته بكلمات أصبحت مشهورة:

“بالأمس مع الفجر قُتل روعي. لقد أعماه هدوء صباح الرّبيع، فلم يرَ المتربّصين له على خطّ الحَرث. لا ينبغي لنا اليوم أن نلقي اللّوم على القتلة، فما جدوى أن نندّد بكراهيّتهم الشّديدة لنا؟ منذ ثماني سنوات وهم يجلسون في مخيّمات اللّاجئين في غزّة، “وعلى مرأى منهم، نجعل الأرض والقرى الّتي عاشوا فيها هم وأجدادهم ملكًا لنا. لا ينبغي أن نرتدع عن رؤية الحقد الّذي يرافق ويملأ حياة مئات الآلاف من العرب، المنتظرين اللّحظة الّتي تتمكّن فيها أياديهم من سفك دمائنا. بجب أن لا نصرف أبصارنا لئلّا تضعف أيادينا. هذا قَدَر جيلنا. هذا خيار حياتنا: أن نكون مستعدّين، مسلّحين، أقوياء وقساة، أو أن يسقط السّيف من قبضتنا وتُقتلع حياتنا.”

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي موشيه دايان يلقي كلمة تأبين على قبر روي روثبرغ في كيبوتس ناحال عوز، عام ١٩٥٦. الصورة: وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي

من منظور تاريخيّ، تتميّز كل من الحركة الاستعماريّة الصّهيونيّة وخصيمتها الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، بما يسمّيه المؤرّخ سراج عاصي “القوميّة الزّراعيّة”: وهي أيديولوجيا تربط بين العمل في الأرض وتحقيق السّيادة الإقليميّة. “حيث يشقّ المحراث آخر تلم – هناك سيمرّ الحدّ”، كما يُنسب القول إلى يوسف ترومبلدور. تتجلّى آثار هذه القوميّة الزّراعيّة بوضوح في الحيّز المحيط بمدينة غزّة، الّذي أصبح جزءًا من إسرائيل بعد النّكبة. فقد أُقيمت مستوطنات زراعيّة إسرائيليّة على أنقاض القرى المُدمَّرَة وحقول ومراعي قضاء غزّة في عهد الانتداب؛ في حين حُشر السّكان الأصليّون في قطاع غزّة الصّغير. لكن في المرّة الثّانية الّتي تعرّض فيها ناحل عوز للهجوم عند الفجر، في ٧ تشرين أوّل ٢٠٢٣، لم يعد العمّال الذين يفلحون أراضيها مستوطنين أيديولوجيين جاءوا لجعل الأرض ملكًا لهم. كما أنّهم لم يكونوا أولئك الفلسطينيين من غزّة الّذين وجدوا في أراضي المستوطنات الإسرائيليّة مصدر رزق منذ عام ١٩٦٧. فمنذ التسعينيّات، أُوكلت الأعمال الزّراعيّة اللّازمة لترسيخ السّيادة الإسرائيليّة في المنطقة في معظمها إلى عمّال مهاجرين لا يحملون الجنسيّة الإسرائيليّة، لن يكن هذا المكان وطنًا لهم أبدًا. قُتل عاملان مهاجران في ناحل عوز خلال هجوم “طوفان الأقصى”، وفي منطقة غلاف غزة قُتل ٤٥ عاملًا واختُطف ٤٦ إلى القطاع.

لا نعلم لماذا وضع حماس العمال المهاجرين من تايلاند في مرمى الهجوم. فهم لا يُذكرون في بياناته الرسمية، سوى الادّعاء العام (والمشكوك فيه جدًّا) بأنّ استهداف المدنيّين لم يكن مقصودًا. لكن حتّى لو لم تكن إصابة المهاجرين من بين أهداف الهجوم ، فقد ألحق ذلك ضررًا واضحًا بمشروع الاستيطان الزّراعيّ في المنطقة المدعوة بـ”غلاف غزة”. كما قال أحد ممثّلي المزارعين لصحفيّة في الأيّام الأولى بعد الهجوم: “هذه منطقة نشاطها الأساسيّ الزّراعة. إذا لم يكن هناك عمّال أجانب، لن تكن هناك زراعة. وإذا لم تكن هناك زراعة، فلن تكن هناك منطقة”. في تلك الأيّام، فرّ آلاف العمال المهاجرين من المنطقة بكل وسيلة ممكنة، دون الدّعم الّذي حصل عليه جيرانهم من المواطنين الإسرائيليّين. في الأسابيع التّالية، استغلّ نحو عشرة آلاف عامل تايلاندي عرض حكومتهم وعادوا إلى بلادهم مجّانًا. ووجد القطاع الزّراعيّ، الّذي فقد فجأة قوّة عمله الفلسطينيّة وجزءًا كبيرًا من العمّال التّايلانديّين، نفسه في أزمة عميقة. على الرّغم من الحديث عن تجديد “العمل العبريّ” والاستيراد المكثّف لعمّال من دول جديدة، فقد تعمّق خلال العامين الأخيرين اعتماد الاقتصاد الإسرائيليّ على العمّال من تايلاند، الّذين يُشَغَّلون الآن أيضًا في الصّناعة، والميكانيكا، والبناء، وحتّى في التّجارة.

بدأ دخول العمّال التّايلانديّين إلى الزّراعة في إسرائيل نتيجة للإصلاحات النيوليبراليّة في الثمانينيّات، الّتي عرّضت المنتجين الإسرائيليّين لمنافسة عالمية من منتجين يستفيدون من العمالة الرّخيصة. بعد احتلال غزة عام ١٩٦٧، عاد العديد من الفلسطيّنيين للعمل في الزّراعة داخل إسرائيل، بما في ذلك النّقب الغربيّ والمستوطنات في القطاع. ورغم انخفاض أعدادهم في أواخر السّبعينيّات وبداية الثّمانينيّات، فإنّها عادت وارتفعت حتى بلغت ذروتها عشيّة الانتفاضة الأولى عام ١٩٨٧.

عمال زراعيون في مستوطنة موشاف سادوت، جنوب قطاع غزة مباشرةً. ١٧ أيلول ١٩٧٣. الصورة: IPPA. مجموعة دان هاداني، المكتبة الوطنية الإسرائيلية

مع اندلاع الانتفاضة، بدأ أصحاب العمل والجمهور الإسرائيليّ ينظرون إلى العمّال الفلسطينيّين – رغم تدنّي أجورهم النّسبيّ – باعتبارهم خطرًا متزايدًا. قد أدّت سياسة الإغلاقات الّتي اعتمدتها إسرائيل منذ عام ١٩٩١ وخاصّة بعد اتّفاقيّات أوسلو إلى تقييد قدرتهم على العمل ورفع تكلفة تشغيلهم. لذلك ضغط ممثّلو المزارعين لاستقدام عمّال من تايلاند، وهي دولة صديقة لإسرائيل تربطها بها علاقات أمنيّة منذ سنوات.  بعد ما يُعرف بـالانسحاب الإسرائيليّ من غزة عام ٢٠٠٥، قامت البلدات التي أُعيد تأسيسها تحت اسم “غلاف غزّة” بزيادة اعتمادها بشكل كبير على عمل المهاجرين من تايلاند، شأنها شأن نظيراتها في مناطق زراعيّة أخرى في البلاد.

يعاني العمّال التّايلنديّون في إسرائيل من هشاشة متعدّدة الأبعاد ومركّبة: فهم معزولون لغويًّا لأنّهم لا يتحدّثون لغات المكان ويُحرمون من فرص التّعلّم؛ ومعزولون اجتماعيًّا لعدم قدرتهم على تكوين عائلات وبالتّالي الارتباط بمؤسّسات مجتمعيّة، ومعزولون جغرافيًّا بسبب تركّزهم في أكثر المناطق بُعدًا في البلاد. يسهم عزل المهاجرين في إضعافهم سياسيًّا، مما يعرّضهم للاستغلال الشّديد؛ إذ يقل متوسّط أجورهم بنحو ٣٠٪ عن الحدّ الأدنى القانونيّ، ويعملون في ظروف خطرة مع مواد سامّة، وغالبًا ما تكون مساكنهم رديئة للغاية. حتى قبل هجوم ٧ تشرين أوّل ٢٠٢٣ بوقت طويل، كان العمّال في مناطق الاحتكاك مثل غلاف غزة، وغور الأردن، والحدود اللّبنانية الإسرائيليّة، يتعرّضون للعنف في إطار الصرّاع، وسقط ضحايا بشريّون سواء قبل الحرب أو خلالها. وعلى عكس الإسرائيليّين الّذين يعيشون في مناطق “أولويّة وطنيّة” ويتمتّعون بمجموعة من الامتيازات، فإنّ المهاجرين “مقيّدون” بأماكن عملهم ولا يختارون مكان إقامتهم. كما أنّ رداءة مساكنهم، وموقعها على أطراف التّجمّعات، وطبيعة عملهم في الحقول المفتوحة، وعدم شمولهم بأنظمة الحماية، وقلّة وصول الأخبار إليهم – كلّها تزيد من تعرّضهم للخطر. 

عامل مهاجر من تايلاند في حقل قرب وادي عوز. في الخلفية، يظهر السياج الحدودي مع قطاع غزة ومدينة جباليا. ٢٠٢٢. تصوير: يوناتان عوم

في جوهر الأمر، يبدو أنّ إسرائيل قرّرت نقل عمل الاستعمار الزّراعيّ إلى “التّعهيد الخارجيّ”: إلى أيدي أشخاص لا خيار لهم سوى تحمّل مخاطره، في حين أنّهم لا يتمتّعون إطلاقًا بالمزايا المادّيّة والاجتماعيّة الّتي كانت ترافق هذا العمل في السّابق. رغم أن هؤلاء العمال يرون أنفسهم أحيانًا كأبطال يضحّون من أجل عائلاتهم – كما تشير الباحثة شاحر شوهام – فإنّ هذا الخطاب يبقى غير معترف به رسميًّا في تايلاند أو إسرائيل. في جنازات العمّال الّذين قُتلوا في ٧ تشرين أوّل، والّتي أُقيمت في قرى فقيرة تبعد آلاف الكيلومترات عن مكان مقتلهم، لم يحضر جنرالات لإلقاء خطابات بلاغيّة عن عظمة تضحياتهم. بقيت مَهمّة لملمة الشّظايا وإيجاد معنى لمواصلة الحياة دون أحبائهم على عاتق عائلاتهم، التي تدفع ثمن صراع استعماريّ لا نصيب لها فيه ولا أرض.

متان كامينر عالم أنثروبولوجيا، محاضر في جامعة كوين ماري في لندن وناشط في أكاديميّون من أجل المساواة. صدر كتابه “الاستعمار الرّأسماليّ: العمّال المهاجرون التّايلانديّون في الزّراعة الإسرائيليّة” عن دار نشر جامعة ستانفورد عام ٢٠٢٤.