تخطى إلى المحتوى

الدراسة بين الأنقاض: منظومة التعليم والتعلّم غير الرسمي في غزة 

شولميت بينشوفر

في خان يونس، تجلس مجموعة من الأطفال داخل خيمة. أمامهم تقف معلمة شابة تحمل لوحًا وتدرّس الرياضيات. هذه واحدة من “صفوف الخيام” التي أُنشئت في قطاع غزة منذ الحرب. بالنسبة للأطفال، لا تمثل هذه الصفوف مجرد إطار تعليمي، بل هي أيضًا أول فرصة منذ أشهر للعودة إلى شيء يشبه الحياة اليومية. لكن مع قدوم الشتاء، وخصوصًا هذا الشتاء الماطر، تغمر المياه العديد من الخيام، فتتعطل العملية التعليمية مرة أخرى.

 كذلك قبل ٧ تشرين أول ٢٠٢٣، واجه نظام التعليم في غزة تحديات كبيرة نتيجة القيود المستمرة على الحركة والوصول إلى المعدات التعليمية، والأضرار الناجمة عن الهجمات العسكرية السابقة، والاكتظاظ الشديد. ومع اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر، توقّف نظام التعليم في قطاع غزة بشكل فوري؛ أُغلقت جميع المدارس والجامعات، وتحول العديد منها إلى ملاجئ للنازحين. أسفر القصف المكثف عن خسائر بشرية كبيرة وإصابات عديدة بين المعلمين والطلاب، كما أدى إلى دمار واسع في المؤسسات التعليمية: ففي غضون أشهر قليلة، تضرر أو دُمّر أكثر من ٨٥٪ من المدارس والكليات والجامعات في غزة، وارتفعت هذه النسبة إلى نحو٩٥٪ بحلول ربيع ٢٠٢٥. كما تضررت مواقع التعلم غير الرسمي مثل المكتبات والمتاحف والمراكز الثقافية. إلى جانب الدمار المادي، فُقدت تقريبًا جميع اللوازم التعليمية (الكراسي، الطاولات، الألواح، والكتب المدرسية)؛ فما لم يُدمّر بالقصف استُخدم، اضطرارًا كوقود للتدفئة والطهي خلال الحصار. مع بداية عام ٢٠٢٦، قُتل أكثر من ١٥٬٥٥٣ طالبًا و٧٠١ من العاملين في مجال التعليم، وأُصيب أكثر من ٢٣٬٤١١ طالبًا و٣٬٠١٥ معلمًا. كما حُرم نحو ٦٥٨٬٠٠٠ طفل في سنّ الدراسة و٨٧٬٠٠٠ طالب جامعي من الوصول إلى التعليم النظامي.

طفلة فلسطينية في مخيم لجوء مغمور. شتاء ٢٠٢٥، چاي مارچولين ابرجيل.

 

في ١٩ كانون ثاني ٢٠٢٥ دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، منهياً خمسة عشر شهرًا من القتال المتواصل. سارعت الجهات التعليمية المحلية والدولية إلى الاستعداد لإعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة. بمساعدة الأمم المتحدة، أأُعلن عن افتتاح عام دراسي جديد في غزة في ٢٣ شباط ٢٠٢٥، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب. خلال فترة وقف إطلاق النار، أطلقت منظمات الإغاثة مبادرات “العودة إلى الدراسة”. فعلى سبيل المثال، وضعت الأونروا (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) برامج تعليمية مرنة تجمع بين التعلم عن بُعد والتعلم في مساحات مؤقتة، بهدف الوصول إلى مئات الآلاف ممن لم يتمكنوا من العودة إلى المدارس. مع ذلك، لم يعد إلى العمل سوى عدد محدود من المدارس؛ فحتى نهاية شباط ٢٠٢٥، أُعيد افتتاح ١٦٥ مدرسة حكومية فقط في القطاع. كان الطلاب يدرسون بنظام ثنائي الدوام، في صفوف مؤقتة، دون كهرباء أو مياه جارية، وأحيانًا دون كراسٍ أو طاولات، جالسين في خيام أو غرف مدمرة جزئيًا. ثم، بعد شهر واحد فقط، في ١٨ أذار ٢٠٢٥، تم خرق وقف إطلاق النار، لتعود الحرب من جديد وتُعطّل هذا الانتظام التعليمي الهش. حتى بعد الإعلان عن نهاية الحرب رسميًا في ١٠ تشرين أول ٢٠٢٥، استمرت الاشتباكات، ولم تسمح الأوضاع والبنية التحتية بالعودة الكاملة إلى التعليم.

في واقعٍ يتسم بالانقطاع المستمر وعدم الاستقرار وفقدان الأطر، تصبح القدرة على خلق نقاط ارتكاز من الاستقرار، أو ما يمكن تسميته بـ”جسور اليقين”، أمرًا حيويًا. هذه الجسور لا تُلغي الصدمة أو عدم اليقين، لكنها تعيد بناء الإحساس بالزمن والنظام والمعنى: ساعة ثابتة في اليوم، نشاط مألوف، وشخصية تعليمية مستقرة. بالنسبة للأطفال، تخلق مثل هذه الاستمراريات مسارًا آمنًا، وإن كان ضيقًا وهشًا، يربط بين ما كان وبين إمكانية مستقبل لا يزال من الممكن تخيّله.

مساحة تعليم غير رسمي في خان يونس. كانون اول ٢٠٢٥. المصدر: قناة اليوتيوب يونسيف الولايات المتحدة.

في خضم هذا الفوضى، توسعت مبادرات التعليم غير الرسمي كاستجابة مجتمعية وإنسانية للاحتياجات الفورية للأطفال. عبر قيام منظمات محلية ودولية بإنشاء مساحات تعلّم بديلة وتشغيل برامج تعليمية مرنة ودمج أنشطة نفسية – تربوية لا تهدف فقط إلى نقل المعرفة، بل أيضًا إلى تقديم دعم عاطفي وإعادة بناء الإحساس بالمعنى. أُنشئت بعض هذه الأطر دون أي بنية تحتية أو دعم رسمي، سعيًا للحفاظ على استمرارية تعليمية ونفسية في واقع من النزوح.

تُجسّد قصة مها (اسم مستعار)، وهي معلمة في غزة تحدثتُ إليها في شباط ٢٠٢٦، هذا السعي المتواصل للحفاظ على الأطر التعليمية رغم انهيار النظام الرسمي. مها، وهي أم لطفلين، فقدت خلال الحرب زوجها وأخاها ومنزلها ومدرستها، وتعمل متطوعة كمعلمة في مدرسة أُنشئت للأطفال النازحين الذين يعيشون في الخيام. تخدم المدرسة نحو ٥٤٠ طالبًا تتراوح أعمارهم ٦-١٢عامًا، موزعين على دوامين، حيث يتولى أربعة معلمين مسؤولية نحو ١٣٠ طفلًا في كل دوام. تصف مها كيف يستمر العمل التعليمي رغم الخسارة الكبيرة: “من عمق الألم يولد الأمل. أنا أحب مهنة التعليم كثيرًا. أجد نفسي عندما أكون بين الأطفال. أشعر بالقوة، وأننا معًا نحارب كل الظلم الذي نعيشه، من خلال براءتهم”. الظروف المادية بالغة الصعوبة؛ ففي الغالب لا يمتلك الطفل سوى الدفتر والقلم بسبب النقص وارتفاع تكاليف وسائل التعليم. في كثير من أماكن التعلم، لا توجد طاولات أو كراسٍ؛ يجلس الأطفال على الأرض ويكتبون، بينما توضع الأوراق على الأرض. لا يُنظر إلى التعليم هنا باعتباره مجرد تعليم أكاديمي، بل كمساحة للبقاء النفسي وإعادة الاستقرار. تضيف مها:”عندما يأتي طفل صغير إلى باب المدرسة ومعه ورقة صغيرة كتب فيها ‘أنا أحبك’ ويعانقني، أشعر أننا سنكون بخير، لأننا نحمل في داخلنا حبًا لهم ونقاوم معًا كل ما مررنا به”.

مثال آخر على ذلك هو نشاط معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى – فرع غزة، الذي يواصل، حتى في ظل ظروف طارئة قاسية، تشغيل أطر موسيقية للأطفال، بعد أن تم قصف مدرسة الموسيقى في غزة وقُتل بعض طلابها. من خلال دروس العزف والغناء والأنشطة الجماعية في مساحات مرتجلة، لا يوفر المعهد تعليمًا موسيقيًا فحسب، بل يخلق مساحة للتعبير والتنظيم العاطفي والارتباط بالهوية والثقافة. في مقطع فيديو للمعهد من كانون أول ٢٠٢٥، تظهر مجموعة من الفتيات واقفات على الأرض بين مبانٍ مؤقتة، يغنين أناشيد احتفالية بقيادة معلم. وفي فيديو آخر، يمكن رؤية مجموعة من الأطفال يخضعون لاختبار للانضمام إلى جوقة المعهد، بشغف للتعلم والغناء. تشكّل هذه المقاطع القصيرة شهادة على قوة التعليم غير الرسمي كمرتكز للصمود في واقع من الدمار المستمر.

أما مشروع رواة القصص “حكايا” التابع لمؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، فيوفر إطارًا غير رسمي للتعلم ومعالجة الصدمة. خلال الحرب، أُرسل رواة القصص المحترفون إلى مراكز النزوح والأحياء المدمرة من أجل عمل لقاءات مع مجموعات من الأطفال عبر سرد الحكايات والقيام بالألعاب الخيالية. وقد اضطر الرواة إلى تكييف محتوى القصص مع الواقع الجديد؛ إذ تقول أشجان أبو عبيد الله، إحدى الراويات الشابات: “في السابق كنا نحكي للأطفال قصصًا عن أحلامهم وطموحاتهم وعن أنفسهم. كان الطفل يستطيع أن يبحر داخل القصة كما يبحر في عالمه الداخلي. الآن تغيّر كل شيء. أصبحنا مضطرين للحديث عن المتفجرات والألغام والأشياء الغريبة. هذه أصبحت جزءًا من البيئة اليومية للطفل، وتحولت القصص إلى وسيلة لتحذيرهم من الموت”. تتيح هذه الأنشطة السردية للأطفال معالجة تجاربهم بشكل غير مباشر، والتعبير عن مخاوفهم وآمالهم، والحصول ولو على ساعة من الطفولة بعيدًا عن الواقع القاسي. تشغّل منظمات مثل اليونيسف و”أنقذوا الأطفال” أيضًا برامج للتعلم عن بُعد، تشمل دروسًا مسجلة، وكراسات تمارين وإرشادات للأهالي حول كيفية دعم تعلم أطفالهم، بهدف الحد من الفجوة التعليمية. ومع ذلك، فإن غياب بنية تحتية للاتصالات مستقرة، والانقطاعات الطويلة للكهرباء، والقيود على إدخال الوسائل التعليمية (مثل الحواسيب والكتب والأقلام) تعيق توسيع نطاق هذا النوع من التعليم.

مساحة تعليم غير رسمي في خان يونس. كانون اول ٢٠٢٥. المصدر: قناة اليوتيوب يونسيف الولايات المتحدة.

إضافة إلى ذلك، وبسبب بقاء عشرات آلاف الأطفال دون أهل أو مأوى، ظهرت في الأشهر الأخيرة مبادرات لإنشاء قرى للأطفال ومساحات تعليمية داعمة تهدف إلى إعادة بناء الروتين وتوفير إطار مستقر لهؤلاء الأطفال. من أبرز هذه المبادرات قرية في دير البلح تُعرف باسم “أكاديمية الأمل“، تضم نحو ٦٠٠ طفل فقدوا والديهم، وتوفر لهم ليس فقط السكن، بل أيضًا الرعاية اليومية، والوجبات، وخدمات الصحة الجسدية والنفسية، وأنشطة تعليمية وثقافية تعيد الطفولة والتعلم إلى مركز حياتهم.وبالمثل، برنامج “قرى الأطفال SOS”، الذي كان يعمل في غزة قبل الحرب، واصل نشاطه بعد تدمير قرية الأطفال في رفح، وأقام استجابة طارئة في خان يونس حيث يعيش الأطفال ويتلقون دعمًا نفسيًا ويواصلون التعلم ضمن إطار يومي. مع بداية عام ٢٠٢٦، ورغم اليأس العميق، بدأت تظهر بوادر صغيرة للأمل؛ إذ تعمل نحو ٤٠ منظمة تعليمية مختلفة في غزة لتوفير أطر تعليمية أو نفسية أو اجتماعية للأطفال. ومع ذلك، لا يزال نطاق الاستجابة محدودًا؛ إذ لا تصل اليونيسف إلا إلى نحو ٢٠% من الأطفال، فيما تحذر جهات أممية من أن إعادة الإعمار الكامل ستتطلب وقتًا وموارد هائلة. ويحذر خبراء التعليم من خطر ظهور “جيل ضائع” يعاني من تأخر كبير في تحصيله العلمي ومهاراته نتيجة انقطاع الدراسة، بينما يؤكد مختصو الصحة النفسية أن فقدان الإطار التعليمي يفاقم الصدمة النفسية لدى الأطفال. في غزة، خلال الحرب وبعدها، لا يُعدّ التعليم مجرد معركة على المعرفة، بل هو صراع من أجل الاستمرارية والهوية والأمل. كما قال مؤخرًا جوناثان كريكس، المتحدث باسم اليونيسف: “حتى عندما يكون الأهل جائعين ويعيشون في خيام […] فإن السؤال الأول الذي يطرحونه هو: متى سيعود التعليم؟” في واقع من الانهيار المستمر، توفر الأطر التعليمية حتى وإن كانت جزئية ومؤقتة نقاط ارتكاز ومعنى للأطفال. إن استمرار هذه المبادرات وتعزيزها شرط أساسي لإمكانية مستقبل مختلف للأطفال في غزة، وهذه المسؤولية لا يمكن أن تُترك لمنظمات الإغاثة وحدها، بل تتطلب استجابة منسقة ومستقرة وطويلة الأمد من المجتمع الدولي.

د. شولميت بينشوفر هي باحثة ومحاضرة في مجال الطفولة المبكرة، النمو، والعلاقات بين الوالدين والطفل، والأنظمة التعليمية والصحية للأطفال والأسرة.

 

قراءة إضافية

Hussein, A., Wong, S., & Bright, A. (2024). History and impact of Israeli siege and attacks on education in Gaza, Palestine. In Oxford Research Encyclopedia of Education.‏

Iriqat, D., R. Alousi, T. Z. Aldahdouh, A. AlDahdouh, I. Dankar, D. Alburai, M. Buheji, and A. Hassoun. 2025. “Educide amid Conflict: The Struggle of the Palestinian Education System”. Quality Education for All 2 (1): 83–101.