تخطى إلى المحتوى

خلال سنتين من الحرب انقذ البيطري د. معاذ ابو ركبة الاف الحيوانات. يوم انتهت – قُتل

بقلم: د.ب.

ترجمة: أماني

د. مُعاذ طَلعت أبو رُكبة نجا من عامين من حرب الإبادة. كان طبيبًا بيطريًا شابًا، ومن بين القلائل في قطاع غزة المحاصر الذين واصلوا العمل في شمال القطاع خلال المراحل الأخيرة من الحرب، قبل إخلاء مدينة غزة ضمن العملية الهادفة إلى احتلالها، والتي بدأت في ١٤ آب ٢٠٢٥. قُتل د. مُعاذ في ١٠ تشرين الأول وهو اليوم الذي دخل فيه وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ. كان يعتقد أن منزله في جباليا مُصنَّف ضمن حدود المنطقة الآمنة، أي داخل «الخط الأصفر»، وهو خط الانسحاب الأوّلي للجيش الإسرائيلي في إطار المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار. في ذلك الصباح من يوم الجمعة، خرج ليتفقد ما تبقّى من منزله ويجلب أغراض له ولأسرته.  د. مُعاذ لم يعد من تلك الجولة. خلّف وراءه زوجته رانيا، وطفلين: يوسف في الثالثة من عمره، وطَلعت في عمر سنة وثمانية أشهر.

د. معاذ برفقة بعض مرضاه. المصدر: انستجرام

د. مُعاذ، كما يعرفه المتابعون على شبكات التواصل الاجتماعي، كان الطبيب البيطري الجرّاح الرئيسي في جمعية «سُلالة»  وهي جمعية إنقاذ الحيوانات الوحيدة في غزة، التي بدأت نشاطها قبل الحرب وواصلت العمل خلالها. وقد تولّت الجمعية علاج آلاف الكلاب والقطط، وعشرات، إن لم يكن مئات، من الخيول والحمير وحيوانات أخرى. عمل د. مُعاذ عن كثب مع عائلة العِرّ التي تدير الجمعية، وكانت علاقته بهم جيدة جدًا؛ وخلال الحرب تحوّل هذا التواصل إلى علاقة وثيقة بشكل خاص بسبب المشاهد القاسية والعمل المضني معًا في ملاجئ الحيوانات في شمال القطاع وجنوبه. وقد نعاه سائد العِرّ على إنستغرام قائلًا: «كان د. مُعاذ إنسانًا نادرًا، من النادر أن تجد شخصًا بهذه الدرجة من اللطف في تعامله مع الناس والحيوانات. كثيرًا ما كنّا نتصل به، ولم يكن يرفضنا؛ كان دائمًا مستعدًا للمجيء ومعالجة أيّ حيوان. نحن حزينون جدًا لفقدان د. مُعاذ، الله يرحمه، ونتمنى لعائلته الصبر والسلوان».

من اليمين: د. معاذ قبل الحرب. من اليسار: بعد عودته من مراكز توزيع المؤن التابعة للجهة المدعوة بمؤسسة غزة الانسانية. المصدر: صفحة الGoFundMe خاصته.

من خلال حساب د. مُعاذ على إنستغرام يمكن تعلّم الكثير عن الشخص الذي كان. توفّي والده في تشرين الثاني ٢٠١٦ وتوفّي جدّه في نيسان ٢٠١٧. ومن الواضح أنه كان يحبّهما كثيرًا. وكحال كثيرين من أبناء غزة، غادر غزة لاستكمال التعليم العالي في مصر عام ٢٠١٦ ويبدو أنه على الأرجح فاتته جنازتاهما. إلى جانب صورة له عند معبر رفح، كتب التاريخ ١٣.٢.٢٠١٦ وأرفق رمزًا تعبيريًا لقلب مكسور. في التعليقات، يسأله أصدقاؤه إن كان قد عاد بالفعل من مصر، ويكتب له أحدهم أنه على الأرجح اشتاق إلى غزة. وفي عام ٢٠١٨ نشر صورة له بالقرب من أهرامات الجيزة. يبدو فيها سعيدًا. وأنهى دراسته في جامعة الزقازيق في مصر في تشرين الأول ٢٠١٩.

عائلته في الأصل من القرية الفلسطينية المُهجَّرة دِمرة، التي أُقيم على أنقاضها وأراضيها كيبوتس «إيرِز»، على بُعد ١٢ كيلومترًا فقط إلى الشمال الشرقي من غزة.

قرية دمرة المهجرة، منها لجأت عائلة د. معاذ خلال نكبة ١٩٤٨. الصورة اخذت بين عامي ١٩٤١-١٩٤٣. المصدر: المتحف الاسترالي للحرب.

عمل طبيبًا بيطريًا في المسلخ التابع لبلدية غزة، ثم في قسم الطب البيطري في البلدية. في حزيران ٢٠٢٣ افتتح عيادةً في حيّ الرِّمال بمدينة غزة وبدأ مسيرته المستقلة. وعلى حسابه في إنستغرام نشر مقاطع فيديو لنفسه وهو يُجري عمليات تعقيم للإناث، وإخصاء للذكور، وتلقيحًا، وجراحات، وتوليدًا بعملية قيصرية، وتصريف خُرّاجات، وتجبيرًا للأيدي والأرجل. وفي بداية الحرب تمامًا، دُمِّرت عيادته. وكتب: (فقط في غزة، يُدمَّر الحلم قبل أن يبدأ. عيادتُنا التي افتتحناها قبل أربعة أشهر فقط دُمِّرت). وفي آذار ٢٠٢٥ أعاد فتح العيادة داخل متجرٍ لمستلزمات الحيوانات. الغزّيون يفعلون ما يلزم من اجل البقاء.

ذكر د. مُعاذ زوجته رانيا للمرة الأولى في كانون الأول ٢٠١٩. ومن خلال ملفها الشخصي يمكن معرفة أنها وُلدت عام 1999. وشارك د. مُعاذ مقطع فيديو من زفافهما في شباط ٢٠٢٢. رانيا، وهي صيدلانية المهنة، تكاد تبلغ السادسة والعشرين وقد أصبحت أمًّا لطفلين – وأرملة.

في أواخر عام ٢٠٢٤، وخاصة بعد بدء وقف إطلاق النار بين كانون الثاني/يناير وآذار/مارس ٢٠٢٥، شارك صورًا لبيت رانيا وبيته، ولروضة الأطفال التي كانت تعمل تحته، قبل وبعد أن تُدمَّر كليًا. وقد عثرتُ على صفحة الروضة على فيسبوك، ومن خلالها توصّلتُ إلى العنوان والموقع التقديري لبيت د. مُعاذ. وإذا نظرنا إلى خريطة “الخط الأصفر”، أي خطّ الانسحاب الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية عند ظهر يوم الجمعة ١٠ تشرين الأول ٢٠٢٥، فإن شارع صلاح الدين كان يحدّ معظم مسار الخط الأصفر، باستثناء المقطع الأكثر شمالًا – الواقع بين مخيم جباليا للاجئين وبيت لاهيا. وهذا بالضبط هو المقطع الذي يقع فيه بيت مُعاذ ورانيا.

كيف يُفترض أن يفهم الناس العاديين خرائط الجيش المُضلِّلة؟ إنّ حالة الدكتور مُعاذ أبو رُكبة تُشكِّل شهادةً واضحة – ونادرة من حيث توافُر التفاصيل عنها- على صعوبة أن يفهم الناس في غزة كيف يترجمون التعليمات أو اتفاقات وقف إطلاق النار إلى واقع حياتهم المادي، إذ حظي موته بقدرٍ من الصدى الإعلامي. لكن مثله كان كثيرون: مع إعلان وقف إطلاق النار ظنّوا أنهم يستطيعون العودة إلى بيوتهم أو زيارتها لإخراج أمتعتهم وملابسهم ومعدّاتهم، فإذا بهم يُفاجَؤون برصاصة في الرأس أو بقصفٍ من الجو. ومثل الدكتور مُعاذ، كان هناك أيضًا من تجاوزوا «خطًا وهميًا» لا اسم له حتى، لكن إن عبرته، يجوز إطلاق النار عليك. في آب/أغسطس الماضي، قبيل إعادة احتلال مدينة غزة، دفع الجيش السكان الذين أُجلوا من المدينة إلى مناطق هو نفسه عرّفها بأنها خطِرة وممنوع البقاء فيها. وكذلك في الانسحاب الذي وقع صباح اليوم الذي اختفى فيه مُعاذ، نشر الجيش خريطة ادّعى لاحقًا أنها «للتوضيح فقط». ويبدو أن هذه هي الخريطة التي اعتمد عليها مُعاذ قبل أن يخرج في رحلته الأخيرة.

من إعادة بناء الخريطة التي نُشرت صباح ١٠ تشرين الأول ومن خلال تحديد مسار «الخط الأصفر» بالاستعانة بصور الأقمار الصناعية، يتّضح أن بيت مُعاذ ورانيا كان بالفعل واقعًا بين الخطّين في ذلك الصباح الذي خرج فيه مُعاذ إليه ولم يعد: «الخط الأصفر» وفق الخريطة الصادرة صباح ١٠ تشرين الأول و«الخط الأصفر» الذي كان قائمًا فعليًا على الأرض في ذلك اليوم. تبين ايضًا أن بالقرب من منزلهم، خلف السدود الترابية، كانت الدبابات الإسرائيلية تراقب المنزل.

موقع منزل د. معاذ في مقبل الحرب. الخط البرتقالي يمتد على مسار “الخط الاصفر” لوقف اطلاق النار، الخط الاسود المتقطع يمتد على مسار شارع صلاح الدين وطريق بيت لاهيا العام. بإذن من ا.د. يعقوب چارب. صورة: Bing Staellite.
موقع منزل د. معاذ في صورة قمراصطناعي من ١١ تشرين اول ٢٠٢٥، في اليوم التالي من مقتله. بإذن من ا.د. يعقوب چارب. صورة: PLANET. 

تشير شهادات إلى أن الجيش يسيطر فعليًا على مناطق تتجاوز مسار «الخط الأصفر» الذي تم الاتفاق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار، وكذلك يواصل تغيير مسار الخط وفقًا لاحتياجاته، من دون إبلاغ السكان أو تحديده بطريقة ثابتة وواضحة. ومنذ ذلك الحين، تكاثرت التقارير الإعلامية عن إطلاق الجيش النار على مدنيين يُعرَّفون بوصفهم «مشتبهًا بهم» عند اقترابهم من «الخط الأصفر» أو عبورهم له. ففي ٢٩ تشرين الثاني٢٠٢٥، على سبيل المثال، أبلغ الجيش وسائل الإعلام بأن “اثنين من “المشتبهين” قاموا بأعمال مشبوهة على الأرض واقتربوا من قوات الجيش العاملة في جنوب القطاع، على نحو شكّل تهديدًا فوريًا لها. وبعد أن رصدتهم القوات، قام سلاح الجو، بتوجيه من القوات على الأرض، بتصفية المشتبهين بهدف إزالة التهديد”. غير أن «المشتبهين» اللذين جرى رصدهما وتصفيتهما كانا طفلين: الشقيقين فادي وجمعة أبو عاصي، في العاشرة والثانية عشرة من العمر عند مقتلهما. كانا يساعدان والدهما، الذي يتحرك على كرسي متحرك، في العثور على حطب للتدفئة.

فادي وجمعة أبو عاصي، في العاشرة والثانية عشرة من العمر عند مقتلهما في ٢٩ كانون ثان، ٢٠٢٥. المصدر: الصفحة اليومية. 

وبالعودة إلى د. مُعاذ أبو رُكبة، فقد مرّت تسعة أيام منذ اختفائه وحتى التحقّق من هوية جثمانه. خلال تلك الأيام نشر أصدقاء «سُلالة»، ونشطاء، ومنظمات، نداءات للعثور عليه وإعادته إلى حضن عائلته القلِقة. تحدّث عنه كثير من الأطباء البيطريين ودعوا إلى تعميم النداء للبحث عنه أو نقل خبر انقطاع الاتصال به. وعندما ذهب شقيقه للبحث عنه واقترب من منطقة المنزل، رأى شخصًا يُضرب بالنار حتى الموت أمام عينيه – كما أُطلق الرصاص على عمّ د. مُعاذ عندما اقترب من المنطقة.

في أيار الماضي نشر مُعاذ مقطع فيديو له مع زوجته وطفليهما، وهم يسافرون على عربة يجرّها حمار. وكتب أن هذه هي المرة العاشرة التي يُضطرون فيها إلى الإخلاء من جباليا. كم هو صعب أن تكون طبيبًا بيطريًا وأن ترى حيوانات تعمل حتى تنزف دمًا، جائعةً ومُصابَة بالجفاف. طوال الحرب كلّها عالج الحيوانات من دون معدات، ومن دون أدوية أو مواد تخدير، ومن دون مياه نظيفة، ومن دون طعام مخصّص للحيوانات، ومن دون ما يكفي من الطعام للبشر. وفي تموز نشر صورةً له قبل الحرب وبعدها، وكانت علامات الجوع واضحة على وجهه. وكتب: “المجاعة لقد انهكت اجسادنا”. وكان ذلك آخرَ منشورٍ ينشره.

هذه القصة مهمّة ليس فقط لأنه علينا أن نتذكّر ونُذكِّر بأن الفلسطينيين بشرٌ من لحمٍ ودم، بل أيضًا لتسليط الضوء على أهمية القصص الشخصية عن البشر في الحرب، بما في ذلك أولئك الذين يُسمَّون عنوةً “رجال في سنّ القتال”. ترك د. مُعاذ وراءه عائلةً، وزملاء عمل، وآلاف الحيوانات التي ساعدها. وارتبط غرباء بقصته ورأوا من خلالها ما لا يمكن رؤيته في صفحات الأخبار. إن تتبّعنا مسار حياته قبل اندلاع الحرب وبعده ونظرنا في ملابسات موته يعلّماننا عن منظومةٍ شديدة الاعتباطية من الحدود والخطوط التي تتأرجح بين الدبلوماسية والتكتيك العسكري، ومن هناك إلى خيال الجنود على الأرض. وبين كل هؤلاء نفقد بشرًا لا نكاد نبدأ الآن سرد قصصهم.