تخطى إلى المحتوى

تدمير نظام الرعاية الصحية في غزة ترك المرضى المزمنين هناك بلا علاج

ميخال فالدون

منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر ٢٠٢٣ دُمّر النظام الصحي في غزة تقريبًا بشكل كامل. على مدار عامين من الحرب، تركز معظم الاهتمام المتعلق بالقضايا الصحية في غزة على الصدمات النفسية، مثل عدد القتلى وكيفية موتهم، بالإضافة إلى نقص المعدات الطبية والانهيار الجزئي أو الكلي للمؤسسات الطبية، مما جعل من المستحيل توفير الرعاية الكافية خلال حوادث الإصابات الجماعية. ومن القضايا الأخرى التي تم الحديث عنها بشكل متكرر انتشار الأمراض المعدية. فنظراً إلى تردي خدمات الصرف الصحي، واكتظاظ النازحين الذين يعيشون في خيام في ظروف غير صحية، ونقص اللقاحات، حدثت عدة حالات تفشي خطيرة للأمراض المعدية، بما في ذلك أمراض الجهاز التنفسي، والأمراض المعوية، والالتهابات الجلدية. في المقابل، تتوافر معلومات قليلة جداً حول معدلات الوفيات والمرض الناتجة عن الأمراض المزمنة خلال هذه الفترة. والبيانات المحدودة المتاحة لدينا مستمدة من عدد صغير من المقالات العلمية ومن تقارير ميدانية مباشرة قدّمها عاملون في المجال الطبي في غزة.

عشية اندلاع الحرب، كان في غزة نحو ٣٥٠ ألف مريض بالغ يعانون من أمراض مزمنة، يعاني معظمهم من ارتفاع ضغط الدم والسكري، إضافة إلى ١٢،٥٠٠ مريض بالسرطان. وخلال الحرب، تأثر هؤلاء المرضى أساساً بانقطاع استمرارية علاجهم الطبي. ولا تتوافر حالياً بيانات رقمية مُحدَّثة عن أعداد المرضى، لكن ما نعرفه هو أنه عند دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لم يكن سوى ١٣ مركزاً طبياً من أصل ٣٦ مركزاً في غزة يعمل ولو بشكل جزئي. ووفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية، بعد مرور شهر على وقف إطلاق النار، لا يزال النقص في غزة. ففي الأدوية كانت نسبة النقص ٥٥٪ أما المعدات الطبية فكانت نسبة النقص ٦٥٪. العديد من الأدوية – بما في ذلك أنواع مختلفة من المضادات الحيوية والأنسولين والإلتروكسين (المعد لعلاج قصور الغدة الدرقية) ومضادات الصرع – غير متوفرة تمامًا في القطاع منذ فترة طويلة جدًا. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال أكثر من ٢٠ ألف مريض، تمت الموافقة على إجلائهم الطبي العاجل من قبل وزارة الصحة الفلسطينية ومنظمة الصحة العالمية، كانوا في انتظار إخلائهم للعلاج.

في مقال نشر في شهر يونيو ٢٠٢٥ الذي شمل استطلاع حوالي ١٠٠٠ مريض بالغ يعانون من ستة أمراض مزمنة، كان أكثرها انتشارًا ارتفاع ضغط الدم والسكري من النوع الثاني وأمراض القلب، وقدمت نتائج مقلقة للغاية. ٩٨٪ من المشاركين أشاروا انهم أنهم نزحوا مرة واحدة على الأقل خلال الحرب، مما أجبرهم على تغيير العيادات أو الأطباء المعالجين، أو كليهما؛ وأفاد ٧٠٪ منهم أنهم اضطروا إلى السفر لمسافات طويلة للحصول على الرعاية الطبية؛ وأفاد جميعهم تقريباً الى سوء جودة حياتهم، المعاناة من اضطراب النوم، وغياب أي نشاط بدني، وكذلك غياب التغذية الصحية المنتظمة. لم يتمكن معظم المرضى من الحفاظ على نظامهم الدوائي المنتظم، ولم يتمكن ٢٥٪ منهم من الحصول على أدويتهم الاعتيادية لفترات تزيد عن شهرين. في حين أن ٤٠٪ أشاروا إلى صعوباتهم في الالتزام بالعلاج الذي تم وصفه لهم نتيجة عدم توفر الأدوية، بينما ذكر حوالي ٢٠٪ أن ارتفاع أسعار الأدوية هو العائق الرئيسي. كما أفاد نصف مرضى الصرع الذين شملهم الاستطلاع، بأنهم يعانون من نوبات غير خاضعة للسيطرة بسبب نقص الأدوية، بينما احتاج ربع مرضى الربو إلى دخول المستشفى بسبب نوبات الربو غير الخاضعة للسيطرة. اضطر العديد من مرضى السكري الذين يحتاجون إلى الأنسولين إلى زيارة المستشفيات عدة مرات في اليوم للحصول على الحقن، والتي لم يتمكنوا من الحصول عليها بشكل مستقل.

لم يتمكن الأطفال المصابون بالربو في قطاع غزة من تلقي علاج أعراض نوبات ضيق التنفس خارج المستشفيات، بسبب نقص الكهرباء اللازمة لتشغيل أجهزة التبخير. بالإضافة إلى ذلك، لم تكن أجهزة التبخير، وهي عبارة عن أنبوبة بلاستيكية صغيرة ترتبط بقناع الاستنشاق وتعد ضرورية للاستخدام السليم لأجهزة الاستنشاق لدى الأطفال – متوفرة في جميع أنحاء القطاع. لأنه كان من المستحيل الحصول على الأدوية المُستنشَقة عبر أجهزة التبخير، أو حتى على مناشق اي بخّاخات الفنتولين (Ventolin) الفردية، اضطرّ كثير من الأطفال إلى العلاج بالستيرويدات، وهو إجراء مؤقّت لا يفتقر فقط إلى عدم التبرير الطبي، بل يُرجَّح أيضاً أن يسبّب أضراراً صحية جسيمة على المدى الطويل. تقارير هيئة الأمم المتحدة تشير إلى أن حالة مرضى الربو، من الأطفال والبالغين على حد سواء، تدهورت بشكل كبير بسبب استخدام البلاستيك والكرتون كوقود للطهي والتدفئة.

 مقالة حزيران ٢٠٢٥ لم تتناول المرضى الذين يعانون بأمراض السرطان أو بالفشل الكلوي. قبيل اندلاع الحرب، كان في قطاع غزة نحو ١٠٠٠ مريض يخضعون لغسيل الكلى وقرابة ٤٥٠ ممن اجروا زراعة الكلى. ويُعزى الارتفاع النسبي في عدد مرضى زراعة الكلى في غزة إلى حقيقة أن نحو نصف مرضى غسيل الكلى توفّوا خلال حرب غزة في ٢٠٠٨-٢٠٠٩ بسبب عدم قدرتهم على الوصول بانتظام إلى مراكز الغسيل. وفي ذلك الوقت، قدّر أطباء أجانب تطوّعوا للعمل في غزة أن فرص بقاء متلقي زراعة الكلى على قيد الحياة كانت أفضل من فرص مرضى غسيل الكلى. أما في الحرب الحالية، فقد عجز معظم مرضى زراعة الكلى من الحصول على الأدوية المُثبِّطة للمناعة اللازمة لمنع رفض الطُعم المزروع. وفي ظل غياب هذه الأدوية، ونقص الترطيب الملائم، وارتفاع مخاطر الإصابة بالعدوى، تصبح فرص البقاء على قيد الحياة أو تجنّب رفض الطُعم ضعيفة للغاية. ومع ذلك، أظهرت دراسة شملت ١٠٥ من مرضى غسيل الكلى ونُشرت في تموز ٢٠٢٥ نتائج أكثر إيجابية إلى حدٍّ ما. على الرغم من أن غالبية المرضى المشمولين في الدراسة كانوا من النازحين ويقيمون في أحد مخيمات النزوح في دير البلح، فإن نحو ٧٠ في المئة منهم واظبوا على الخضوع لثلاث جلسات غسيل كلى أسبوعياً، كما تمكّن ٨٠ في المئة من الحصول على جميع الأدوية الموصوفة لهم. ويُذكر أنه خلال الحرب لم تتمكّن سوى ثلاثة مراكز طبية في قطاع غزة من تقديم خدمات غسيل الكلى، وأن مرضى الدراسة كانوا يتلقّون العلاج في مستشفى الشفاء، الذي توقّف عن العمل في أيلول ٢٠٢٥.

كان علاج الأطفال المصابين بالسرطان متعذّراً في قطاع غزة حتى قبل اندلاع الحرب، ويعود ذلك أساساً إلى النقص الحاد في أطباء أورام الدم لدى الأطفال وفي الأدوية المناسبة. ولهذا كان يتم تحويل هؤلاء الأطفال لتلقّي العلاج في الضفة الغربية أو في إسرائيل. ومنذ بدء الحرب، تمكّن عدة مئات من الأطفال المصابين بالسرطان من مغادرة غزة لتلقّي العلاج في الخارج. وقبيل الحرب، كانت غالبية خدمات علاج السرطان للبالغين تُقدَّم في مستشفى الصداقة التركية-الفلسطينية، الذي أُجبر على الإغلاق في وقت مبكر من الحرب بسبب نقص الوقود، ثم دُمّر في غارة جوية في آذار ٢٠٢٥. وبعد ذلك، نُقل العديد من مرضى السرطان إلى المستشفى الأوروبي في خان يونس، الذي هو الآخر توقّف عن العمل في أيار ٢٠٢٥ عقب قصف مكثّف.

وماذا عن الأمراض المزمنة التي قد لا تكون مهدِّدة للحياة بشكل فوري، لكن عدم علاجها بشكل ملائم قد يؤدي مع مرور الوقت إلى وفيات مبكرة؟ أحد الأمثلة على ذلك هو حمّى البحر الأبيض المتوسط العائلية، وهو اضطراب وراثي شائع في المنطقة، يسبّب نوبات حادّة من الحمى وألم البطن والتهاب المفاصل. تزول النوبات خلال يوم إلى يومين، إلا أن كل نوبة منها تزيد من خطر التراكم التدريجي لتلف الكلى. يُعدّ الكولشيسين العلاج القياسي لهذا المرض، وهو دواء غير مكلف ومتوافر عادةً، إذ يخفّف من تكرار النوبات ويمنع حدوث الأذى الكلوي على المدى الطويل. ويُقدَّر عدد المصابين بحمّى البحر الأبيض المتوسط العائلية في غزة بنحو ١٠،٠٠٠ مريض. غير أن الكولشيسين كان شبه معدوم خلال فترة الحرب. في مقال نُشر في آب ٢٠٢٥، وصفت كاتبة فلسطينية معاناة ابن عمها نتيجة النقص الحاد في الأدوية، قائلة: “بينما يراقب العالم سقوط القنابل وتكدُّس الجثث، بالكاد ينتبه لما يعنيه العيش مع أمراض مزمنة أصبحت لا تُطاق في زمن الحرب. مرض حمّى البحر الأبيض المتوسط العائلية يبدو عادياً جداً ليحتل عناوين الصحف. إنه بطيء، داخلي، صامت مثل معاناة الكثيرين في غزة”.

منذ بدء وقف إطلاق النار، بدأت الجهود لإعادة بناء النظام الصحي في غزة. وتُقدَّر تكلفة إعادة البناء الكاملة بحوالي ٧ مليارات دولار. بعض جهود الإعمار تُعدّ في الغالب تجميلية، فمثلاً تم تجديد وإعادة بناء مستشفى الشفاء؛ بينما تعتمد جهود أخرى على استيراد الأدوية والمعدات الطبية المتأخرة؛ وهناك جهود من المرجح أن تستغرق سنوات، مثل تدريب العاملين في المجال الصحي الذين سيحلّون محلّ نحو ١٨٠٠ من العاملين الصحيين في غزة الذين قُتلوا أو اعتُقلوا منذ تشرين الأول ٢٠٢٣. وبالمثل، ستتضح التداعيات طويلة المدى لانقطاع الرعاية للمرضى المزمنين مع مرور الوقت. فالعديد من الأمراض المزمنة تسبب أضراراً تدريجية وتراكمية تظهر فقط على المدى الطويل، مثل ارتفاع ضغط الدم غير المعالج الذي يؤدي إلى احتشاء عضلة القلب أو السكتة الدماغية، أو السكري الذي يسبّب أضراراً في العين والكلى. وفي الوقت نفسه، كان التوثيق الطبي في غزة خلال الحرب محدوداً إلى حدٍّ كبير. ولذلك، فإن تقييمًا شاملًا للوفيات والمرض الزائد الناتج عن الحرب سيتطلب فرقاً كبيرة لإجراء مسوحات واسعة وتحليل إحصائي دقيق.



ميخال فالدون هي طبيبه متخصصه بالروماتيزم عند الاولاد