اقتباس رئيسي
أتظنون أنني درستُ في كلية الطب والـدراسات العليا طيلة 14 عاماً لأفكر في حياتي ونفسي فقط دون مرضاي؟ أنا أسألكِ يا سيدتي. هل تعتقدين أن هذا هو السبب الذي جعلني ألتحق بكلية الطب، لأفكر في حياتي فقط؟ ليس هذا هو السبب الذي من أجله أصبحتُ طبيباً.
إيمي غودمان:هذا برنامج “الديموقراطية الآن”
أنا إيمي غودمان.
أُفِيْدَ بمقتل ما يقرب من 200 كادر طبي في غزة منذ السابع من أكتوبر. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، علمت منصة “الديموقراطية الآن” بنبأ استشهاد الدكتور همام اللوح يوم السبت إثر قذيفة مدفعية إسرائيلية استهدفت منزل عائلته، مما أسفر عن استشهاده واستشهاد والده، وصهره، ووالد زوجته. كان الدكتور اللوح اختصاصياً في أمراض الكلى، ويعمل في مستشفى الشفاء، وهو المستشفى الأكبر في قطاع غزة. كان يبلغ من العمر 36 عاماً، وترك خلفه زوجة وطفلين بعمر 4 و5 سنوات. تحدث الدكتور همام اللوح لـ “الديموقراطية الآن!” في الحادي والثلاثين من أكتوبر في واحدة من أواخر مقابلاته.
إيمي غودمان: دكتور همام اللوح، لقد قلتَ سابقاً: “أرى الخوف في عيونهم كل يوم، وهو خوف لا أملك الكثير لأفعله تجاهه. إنه أمر مؤلم للغاية. إن كان لديك أطفال، فأنت تعلم كم هو فظيع ألا تتمكن من مواساتهم، أو طمأنتهم بأنهم بخير، أو جعلهم يأملون في أي شيء أبعد من العيش ليوم آخر”. هل لك أن تحدثنا عن الوضع داخل مستشفى الشفاء الذي كما ذكرت، لم يعد مجرد مستشفى للمرضى؟ بل يلجأ إليه الآلاف للاحتماء به وفي مستشفى القدس والمستشفيات الأخرى. ونحن نتحدث إليك أيضاً بعد مغادرتك مستشفى الشفاء للتو. كيف تواسي عائلتك؟ وماذا يحدث لأسرتك بينما أنت مرابط في المستشفى؟
د. همام اللوح: أقول لهم إننا على الأقل ما زلنا نملك منزلاً ببابٍ نغلقه علينا. لكن هناك آلاف النازحين، أناس مثلنا تماماً كانوا يعيشون بكرامة، لم يعد لديهم بيوت ولا أبواب تغلق عليهم لتحميهم، بينما تحاصرهم مياه الصرف الصحي والنفايات. لا يملكون إمداداً مستمراً من مياه الشرب النظيفة. وكثير منهم فقدوا أفراداً من عائلاتهم ولا يعرفون إن كانوا أحياءً أم أمواتاً. أقول لعائلتي إننا على الأقل نملك بيتاً نعيش فيه، أما هم فلا يملكون. والعجيب أن طِفلاي البالغان من العمر 4 و5 سنوات يتقبلان هذا كنوع من المواساة، ويرونه وضعاً أفضل مقارنة بأولئك النازحين الذين يعيشون في المستشفيات، لكن ليس داخل الأقسام الطبية؛ فالكثير منهم لا يجد مساحة حتى في أروقة المستشفى، لذا يفترشون المساحات المحيطة بالمباني وفي الحدائق. لذا، نعم، ويا للعجب، يتقبل أطفالي الصغار هذا الأمر.
إيمي غودمان: لقد ألقى الجيش الإسرائيلي آلاف المنشورات التي تحذر السكان في شمال غزة، حيث يتواجدون، بضرورة المغادرة. لماذا لا تتوجه مع عائلتك إلى الجنوب؟
د. همام اللوح: وإذا غادرتُ، فمَن سيعالج مرضاي؟ لسنا حيوانات، ولنا الحق في تلقي رعاية صحية لائقة. لذا لا يمكننا المغادرة ببساطة.
إيمي غودمان: تحدثت منظمة الصحة العالمية عن مسألة إبلاغ الأطباء بترك مرضاهم، واختيار حياتهم الشخصية على حساب حياة المرضى. هل يمكنك التحدث عن هذا الخيار، خاصة وأن العديد من المرضى لا يمكنهم المغادرة، على سبيل المثال، الأطفال في الحضانات؟
د. همام اللوح: أتظنون أنني درستُ في كلية الطب والـدراسات العليا طيلة 14 عاماً لأفكر في حياتي ونفسي فقط دون مرضاي؟ أنا أسألكِ يا سيدتي. هل تعتقدين أن هذا هو السبب الذي جعلني ألتحق بكلية الطب، لأفكر في حياتي فقط؟ ليس هذا هو السبب الذي من أجله أصبحتُ طبيباً.
إيمي غودمان: هل لك أن تحدثنا عما يحدث للمستشفيات؟ ففي عناوين أخبارنا اليوم، وفي الأيام القليلة الماضية، تحدثنا عن استهداف المستشفى الإندونيسي. والمستشفى التركي هو مستشفى الأورام (السرطان) الوحيد؟ هل يمكنك التحدث عن أهمية هذه الأماكن، سواء كملجأ يحتمي به آلاف النازحين، أو بالنسبة للمرضى؟
د. همام اللوح: نعم. المستشفى الإندونيسي يقدم الرعاية الصحية لأكثر من 400 ألف مواطن في قطاع غزة. وهذا الجزء من القطاع يجري فصله وتثبيته عن بقية قطاع غزة. إذا توقف هذا المستشفى عن تقديم الخدمة، فإننا نعرّض آلاف الأرواح الفلسطينية لخطر المرض والموت.
أما المستشفى التركي، فبإمكانياته المتواضعة للغاية حتى قبل الحرب، كان المستشفى الوحيد الذي يقدم الرعاية والأدوية لمرضى السرطان من جميع أنحاء قطاع غزة. وقد تعرض لغارة جوية بالأمس. لا أعلم كم عدد المرضى والكوادر الطبية الذين أُصيبوا. ويموت الآن العديد من المرضى لأنهم لا يستطيعون التوجه بأمان مع عائلاتهم لتلقي الرعاية ومواصلة علاجهم الكيميائي.
كما أعلنت وزارة الصحة قبل ساعتين أن الكهرباء ستنقطع عن مستشفى الشفاء، وهو المستشفى الأكبر ويمثل 40% من القدرة الطبية في قطاع غزة، ويقدم الخدمات للعديد من المرضى المعتمدين على الأجهزة، مثل المرضى الخاضعين للتنفس الاصطناعي ومرضى الغسيل الكلوي. لذا، إذا انقطعت الكهرباء عن هذا المستشفى، فإننا نحكم على هؤلاء المرضى بالموت المحتم. فمرضى التنفس الاصطناعي سيموتون في غضون دقائق، ومرضى الفشل الكلوي سيموتون في غضون ساعات إلى أيام، من توقف الغسيل. العديد من المرضى يُعالجُون الآن بالمواد الطبية المتواضعة المتبقية لدينا. والعديد من مرضى السكري يُدخلون المستشفى الآن، لأن الإنسولين الخاص بهم لم يُحفظ في الثلاجة، وبالتالي تلف ولم يعد فعالاً. لقد نفدت منا أدوية كثيرة، مثل مضادات الفطريات. لدينا مريضة توفيت في وقت سابق من هذا الأسبوع بسبب إصابتها بـ “فطر العفن الأسود”، وهو نوع فطري غازٍ وشرس، قتلها لأنه لم يكن لدينا دواء “الأمفوتيريسين” لنقدمه لها. لذا، إجابتي البسيطة جداً على سؤالكِ، هي أن الموت قادم لا محالة للعديد من الناس في قطاع غزة، في غضون ساعات إلى أيام، إذا استمر الوضع على هذا النحو.
إيمي غودمان: دكتور اللوح، يذكر تقرير لموقع “ميدل إيست آي” عن طفل توفي، وجاء فيه: “لقد صَدَرت شهادة وفاته قبل شهادة ميلاده”. رضيع يبلغ من العمر يوماً واحداً قُتل في قصف إسرائيلي على غزة. إن الجيش والحكومة الإسرائيلية يزعمون أن مستشفى الشفاء، مستشفاكم، هو مقر لقيادة وسيطرة حركة حماس. هل يمكنك الرد على ذلك دكتور اللوح؟
د. همام اللوح: أنا أعمل في هذا المستشفى منذ أكثر من عامين، ولم أرَ هذا قط. أنا لستُ رجل قانون، ولستُ محامياً، لكن هذا هو ردي البسيط: لم أرَ هذا طوال عامين. لو كان هذا صحيحاً، لرأيتُ دليلاً واحداً على الأقل.
إيمي غودمان: أريد أن أسألك عن شاحنات المساعدات التي تدخل. في الأوقات الطبيعية، إن كان هناك وقت طبيعي أصلاً في غزة، كانت تدخل أكثر من 400 شاحنة يومياً. نحن نتحدث الآن عن قطرات شحيحة من الشاحنات، ربما درزينة (12 شاحنة) أو ثماني شاحنات في اليوم. هل رأيت هذه المساعدات تصل إلى المستشفى؟ وهل يمكنك التحدث عما تحتاجونه الآن؟
د. همام اللوح: حسناً، هذا العدد الذي ذكرتِهِ والذي سُمح بدخوله إلى قطاع غزة هو في الواقع، كما أشرتِ، لا يذكر مقارنة بما نحتاجه، ولا شيء مقارنة بالنقص الحاد في الإمدادات والأجهزة والأدوية التي نحتاجها. الشيء الوحيد الذي وصل تزامناً مع مغادرتي المستشفى اليوم كان صندوقاً كرتونياً من عبوات المحاليل الوريدية.هذا هو الشيء الوحيد الذي رأيته. ولا أعلم حقاً إن كان هذا قد جاء عبر شاحنات المساعدات في الأيام القليلة الماضية، أم كان من مخازن وزارة الصحة. بالإضافة إلى ذلك، تصادف أنني سألت إدارة المستشفى، وذكروا أن الأمر كله اقتصر على القفازات والشاش الطبي. وهذا ليس الشيء الوحيد الذي نحتاجه؛ بل لعل هذا آخر ما نهتم به أو نحتاجه مقارنة بغيره. لذا، أكرر، هذا لا شيء مقارنة بما نحن في أمسّ الحاجة إليه من مستلزمات وأدوية.
إيمي غودمان: ختاماً، دكتور همام اللوح، ما هي رسالتك في هذه المرحلة للولايات المتحدة، حيث يقع مقرنا، وللعالم؟
د. همام اللوح: في الواقع، الرسالة لم تتغير منذ بداية هذه الحرب. أولاً، نريد لهذه الحرب أن تنتهي، لأننا بشر حقيقيون. لسنا حيوانات. ولنا الحق في أن نعيش بحرية.
ثانياً، لو كُتب عليك وعلى مواطنيك العيش في ظل هذه الظروف، فماذا كنت ستفعل لأجلهم؟ هذا هو تماماً ما نود منكم أن تفعلوه لأجلنا بصفتكم دولة عظمى كـالولايات المتحدة، لأننا بشر تماماً كبشرية مواطنيكم الأمريكيين.
كنا نتوقع حلولاً أبكر لهذه الكوارث والأزمات الإنسانية والصحية، ولكن ما نراه، وخاصة عبر الشاحنات التي يُسمح بدخولها غزة، لا شيء يذكر بالنسبة لنا. إننا نتعرض للإبادة والتطهير العرقي الجماعي. وأنتم تتظاهرون بالاهتمام بحقوق الإنسان والعمل الإنساني، وهو ما لا نعيشه الآن. ولتثبتوا أننا على خطأ، تفضلوا وافعلوا شيئاً. شكراً لكم.
إيمي غودمان: الدكتور همام اللوح، متحدثاً إلينا من مدينة غزة، حيث يعمل في أكبر مستشفياتها، مستشفى الشفاء. أرجو أن تكون آمناً.
د. همام اللوح: آمل أن أكون كذلك. لنأمل معاً أن أكون كذلك. شكراً لكِ.
إيمي غودمان: كان الدكتور همام اللوح يتحدث من غزة عبر “الديموقراطية الآن” في 31 أكتوبر في واحدة من أواخر مقابلاته. وقد استشهد يوم السبت عندما أصابت قذيفة مدفعية إسرائيلية منزل عائلة زوجته، مما أسفر عن استشهاده واستشهاد والده ووالد زوجته وصهره. كان الدكتور اللوح اختصاصي كلى يعمل في مستشفى الشفاء، وهو أكبر مستشفى في مدينة غزة. كان يبلغ من العمر 36 عاماً، وترك خلفه زوجة وطفلين بعمر 4 و5 سنوات. أُفِيْدَ بمقتل ما يقرب من 200 كادر طبي في غزة منذ السابع من أكتوبر