حرب الطائرات المسيّرة وتدمير غزة
الجزء الثاني – أسراب الطائرات المسيّرة وتقويض القانون الدولي الإنساني
شيري كريبس
ترجمة: اماني
أثبت أنك إنسان.
أثبت أنك تقف على قدمين.
أركض.
(من قصيدة “أوامر الركض” للينا خلف تفاحة)
من أوكرانيا إلى إيران، ومن لبنان إلى فلسطين، تُستخدم تقنيات الطائرات المسيّرة والأنظمة الرقمية لتوليد الأهداف العسكرية وترتيبها حسب الأولوية واختيارها، بما يؤدي إلى ممارسة العنف ضد الأشخاص والأماكن. وتؤدي هذه الأنظمة دورًا محوريًا في تصعيد العنف العسكري وإضفاء الشرعية عليه في الوقت ذاته. تناول الجزء الأول من هذا المقال كيف تؤدي قدرات الاستشعار وأسراب الطائرات المسيّرة إلى محو إنسانية الفلسطينيين. أما في هذا الجزء، فأوضح كيف تغيّر هذه القدرات الرقمية تطبيق ومعنى القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني في غزة وخارجها، بما يقوّض القيود الراسخة المفروضة على العنف المسلح المنظم. أركّز على ثلاث قضايا مركزية في حرب الطائرات المسيّرة، وأبيّن كيف تضعف هذه التقنيات القدرة الحمائية للقانون الدولي الإنساني. أولًا، تغيّر تقنيات الطائرات المسيّرة ممارسات التفسير القانوني وإنتاج المعنى، عبر التحول نحو معايير قابلة للترميز وتعريفات قابلة للحوسبة. ثانيًا، تغيّر هذه التقنيات نطاق العنف، من خلال إنتاج معلومات يمكن استخدامها لتبرير عدد كبير من الهجمات المتزامنة، مع إخفاء آثار الحملة العسكرية الشاملة. ثالثًا، تخلق هذه التقنيات فجوة في المساءلة، إذ تفتقر الآلات إلى النية، وتتوزع القرارات بين عدد كبير من الخيارات والإجراءات غير الشفافة.
تقنيات الطائرات المسيّرة تغيّر التفسيرات القانونية وإنتاج المعنى
في العصر الرقمي، يجب أن تكون المصطلحات القانونية قابلة للترميز أو للشرح بطريقة تمكّن الأنظمة الرقمية من معالجتها. فعلى سبيل المثال، يجب تحويل مصطلح قانوني مثل “هدف رفيع المستوى” إلى صيغة قابلة للحساب، كما يجب ترجمة مصطلح “مدني” إلى عناصر يمكن للخوارزميات والعدسات التقنية معالجتها. وحتى المفاهيم الأبسط، مثل “طفل”، والتي تعد ذات صلة بتعريف المدنيين، ينبغي أن تكون قابلة للترميز، ما يتطلب برمجة قرارات تتعلق بالصفات الجسدية والعوامل الأخرى ذات الصلة. تؤدي عملية الترميز هذه إلى اختزال مفاهيم إنسانية معقدة تعتمد على السياق إلى شيء مختلف في طبيعته، شيء تقني أقل حساسية للسياقات الاجتماعية والظروف المتغيرة.
إضافة إلى ذلك، صُممت المعايير القانونية الأساسية بما يتناسب مع الأخلاق والإدراك البشريين، وهي غير متوافقة مع القرارات التي تتخذها الآلات. فعلى سبيل المثال، تتضمن المعايير القانونية الشائعة اشتراط أن يُتخذ القرار “بحسن نية”، أو في ظل “شك مقبول”، أو استنادًا إلى “اعتقاد معقول”. غير أن الآلات لا تمارس الشك، ولا تمتلك معتقدات، سواء كانت معقولة أم لا. كما أن مفهوم “حسن النية” غريب عن آليات البرمجة والمعالجة الخاصة بها. هذا التعارض يعني أن المعايير القانونية الأساسية المتعلقة بالأدلة والإثبات لا يمكن الامتثال لها في البيئة الرقمية، ويجري استبدالها بدلًا من ذلك ببدائل قابلة للترميز ومفاهيم تقنية تعتمد على معدلات الخطأ والحسابات الآلية.
تقنيات الطائرات المسيّرة تغيّر الحساسية القانونية
تغيّر تقنيات الطائرات المسيّرة نطاق العنف العسكري استنادًا إلى قدراتها المستمرة على المراقبة وإلى الاستنتاجات الاحتمالية المتعلقة بالأشخاص والأماكن. ويؤدي ذلك إلى تغيير السياق الذي تعمل ضمنه القواعد القانونية، ما يزيد من ابتعاد القانون الدولي الإنساني عن هدفه الأساسي المتمثل في حماية البشر من أضرار الحرب. فعلى سبيل المثال، تستطيع خوارزميات الاستهداف توليد عدد كبير من الأهداف بسرعة كبيرة، ما يؤدي إلى زيادة هائلة في عدد العمليات والهجمات المحتملة. كما أن قدرات أسراب الطائرات المسيّرة وأدوات الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب نوعية البيانات التي تجمعها عن الأشخاص والأماكن باعتبارهم “أهدافًا محتملة”، تدفع نحو الانتقال من عدد محدود من الأهداف إلى عدد كبير منها، ومن الأهداف رفيعة المستوى إلى الأهداف منخفضة المستوى. بدورها، يُعاد ضبط المصطلحات القانونية، مثل “هدف رفيع المستوى”، من خلال عمليات الترميز المشار إليها أعلاه. وتؤدي هذه التغييرات إلى إضفاء الشرعية على عدد أكبر من الهجمات، وإلى قبول قدر أكبر من الأضرار الجانبية باعتبارها مقبولة، لمجرد ازدياد عدد العمليات التي جرى إضفاء الشرعية عليها واتساع نطاقها.
كما تضفي خوارزميات الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي شرعية على الوفيات الناتجة عن الأخطاء باعتبارها جزءًا متأصلًا من النظام، استنادًا إلى معدل الخطأ المعلن عنه. فإذا كان معدل الخطأ المعروف لخوارزمية استهداف ما يبلغ ١٠٪، فهذا يعني أننا نعلم مسبقًا أن ١٠ من أصل كل ١٠٠ شخص أو موقع يتم استهدافه سيكونون أبرياء وسيُقتلون خطأً، ومع ذلك يجري قبول هذه الوفيات غير المبررة سلفًا بوصفها جزءًا أصيلًا من النظام.
ومن المفارقات أن الطابع الاعتباطي لهذه الأنظمة، وافتقارها إلى النية، والمسافة التي تخلقها بين العنف العسكري وصناع القرار البشريين، تجعل من الأسهل تبرير الهجمات وتصوير الأذى الذي يلحق بالمدنيين الأبرياء على أنه خطأ تقني أو نتيجة غير مقصودة للنظام. وبالاقتران مع حقيقة أن أسراب الطائرات المسيّرة تقلل بصورة كبيرة المخاطر التي يتعرض لها مشغلوها، وتتيح توليد عدد أكبر من الأهداف، فإن هذه الممارسة تدفع نحو تصعيد العنف والدمار.
ويُعرف هذا التصعيد أيضًا باسم “مفارقة الدقة”. وتحدث هذه المفارقة عندما لا يؤدي استخدام أسلحة أكثر دقة أو تطورًا، مثل أسراب الطائرات المسيّرة، إلى تقليل الأذى، بل قد يؤدي إلى زيادة الدمار. ففي حالة أسراب الطائرات المسيّرة، قد يحدث ارتفاع في حجم الأذى حتى عندما تكون عملية الاستهداف دقيقة ويكون معدل الخطأ منخفضًا، وذلك ببساطة بسبب القدرة المحسّنة على إنتاج أعداد كبيرة من الأهداف بسرعة، بما يضفي الشرعية على العنف على نطاق أوسع.
إن استخدام المراقبة المستمرة والشاملة لرصد التهديدات يؤدي باستمرار إلى إنتاج البشر بوصفهم تهديدات، ويقدّم القضاء عليهم باعتباره أمرًا ملحًا وضروريًا.
تجسّد أنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي المستخدمة حاليًا من قبل الجيش الإسرائيلي في غزة هذه الديناميكية بوضوح. ففي حين أقر الجيش باستخدام بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل نظام “البشارة” (هبسورا بالعبرية)، في عمليات الاستهداف، كُشف عن أنظمة أخرى، مثل “لافندر”، من خلال مسرّبين للمعلومات. وتظهر التقارير، بما في ذلك المعلومات التي قدمها الجيش الإسرائيلي نفسه، زيادة هائلة في عدد الأهداف التي يجري توليدها بواسطة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب حد أدنى من التدخل أو المراجعة البشرية نتيجة الزيادة الضخمة في إنتاج الأهداف.
وتتجلى نتائج هذه الأنظمة في حجم الدمار الذي لحق بغزة، وفي النسبة المرتفعة للغاية من النساء والأطفال بين الضحايا. ففي خط الإنتاج المعتمد على الذكاء الاصطناعي لتوليد الأهداف البشرية في غزة، يُعاد تأطير الفلسطينيين باعتبارهم أهدافًا ويُقتلون في ظل تدخل بشري محدود.
ولا يجري التحقيق في معظم الوفيات أو توثيقها، كما أن المعلومات الجوهرية المتعلقة بعملية الاستهداف وأسباب القتل وظروفه تكون غالبًا غير متاحة، ما يمنع إجراء تقييم قانوني فعّال.
بطبيعة الحال، لا تقتصر آثار حرب الطائرات المسيّرة على غزة. فقد استخدمت كل من روسيا وأوكرانيا طائرات مسيّرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. ووفقًا لمجلة “ذا لانسيت“، تسببت هذه الأنظمة في أوكرانيا في “سقوط عدد من الضحايا يفوق ما تسببت به أي منظومة سلاح أخرى”. وفي إيران، حدد نظام غير معروف – يُرجح أنه نظام “مافن” – مدرسة شجرة طيبة الابتدائية للبنات في ميناب باعتبارها هدفًا عسكريًا، على الأرجح استنادًا إلى معلومات قديمة وقرب المدرسة من ثكنات عسكرية. وأسفر الهجوم عن مقتل نحو ١٧٥ شخصًا، كان معظمهم من التلميذات اللواتي تراوحت أعمارهن بين ٧ و١٢ عامًا.
ورغم أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد شارك في عملية اتخاذ القرار التي أدت إلى هذا الهجوم المروّع على مدرسة ميناب الابتدائية، وإلى أي مدى شارك إن كان ذلك قد حدث، فإن من الواضح أن منظومة معقدة من الأنظمة الرقمية باتت تضغط عملية الاستهداف وتحجب تفاصيلها، مولدةً عددًا أكبر من الأهداف بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، اعتمادًا على عمليات تقنية غير شفافة.
ويؤدي هذا الضغط إلى تسريع عملية الاستهداف بشكل كبير، بما يحد من دور البشر فيها. فالبشر غير قادرين على معالجة المعلومات أو اتخاذ أحكام مدروسة بالسرعة التي تنتج بها آلات الحرب الأهداف الجديدة وتختارها.
إن عملية توليد الأهداف الرقمية ليست فقط أسرع من قدرة العقل البشري على الاستيعاب، وأكثر حجمًا وتعقيدًا مما يمكن للبشر فهمه، بل إنها تغيّر أيضًا الطريقة التي ننظر بها إلى “الأشخاص” و”الأهداف”، وتؤثر في نوعية الأهداف التي يجري رصدها وترتيبها حسب الأولوية، وفي كيفية تقييم خطورة التهديدات ومدى قانونية العمليات العسكرية المخطط لها.
في أوكرانيا وإيران وغزة، لا تقتصر تقنيات الطائرات المسيّرة على تغيير أساليب الحرب، بل تعيد تشكيل الحساسية القانونية ذاتها، وتطبع العنف المتصاعد من خلال أطر تقنية قانونية تزداد اعتمادًا على البيانات والإجراءات الشكلية، وتبتعد أكثر فأكثر عن التجربة الإنسانية المعيشة.
تقنيات الطائرات المسيّرة تفتقر إلى النية والتأمل والندم
تشكّل تقنيات الطائرات المسيّرة تحديًا عميقًا للمفاهيم القانونية المتعلقة بالنية والمسؤولية والمساءلة. فالمساءلة القانونية، بما في ذلك المسؤولية الجنائية الفردية، تقوم على افتراض إمكانية إرجاع الأفعال الضارة إلى صانعي قرار بشريين يمكن تقييم نياتهم والحكم عليها. إلا أن الآلات لا تستطيع تكوين نوايا أو ممارسة أحكام أخلاقية أو تحمل المسؤولية. كما أن الدور المركزي الذي تؤديه تقنيات الطائرات المسيّرة في عمليات اتخاذ القرار العسكري يباعد بين البشر المشاركين في العملية وبين القرارات ونتائجها.
ويخلق ذلك صعوبات خاصة في الجرائم مثل الإبادة الجماعية، حيث تعتمد المسؤولية القانونية على إثبات وجود نية محددة لتدمير جماعة محمية كليًا أو جزئيًا. ورغم أن الباحثين في دراسات الإبادة الجماعية أقرّوا منذ زمن طويل بصعوبة استنتاج النية الجماعية أو نية الدولة، فإن تقنيات الطائرات المسيّرة تزيد هذه المهمة تعقيدًا عبر توزيع القرارات بين أنظمة اجتماعية وتقنية معقدة تشمل المشغلين والقادة ومهندسي البرمجيات والخوارزميات وأجهزة الاستشعار والعمليات الذاتية.
والنتيجة ليست مجرد تحدٍّ يتعلق بالأدلة، بل تحول في الطريقة التي يُختبر بها العنف ويُفهم. فمن منظور الأشخاص الذين يتعرضون لهجمات الطائرات المسيّرة، يبدو الدمار غالبًا تعسفيًا وغامضًا وخاليًا من أي فاعل بشري ظاهر. كثير من الوفيات لا يجري التحقيق فيها، وتظل المعلومات الجوهرية المتعلقة بقرارات الاستهداف بعيدة عن متناول الضحايا، فيما تبقى سبل الانتصاف محدودة أو معدومة. ومع ازدياد اعتماد القرارات على الشاشات وتدفقات البيانات والأنظمة المؤتمتة، تصبح المسؤولية أكثر تشتتًا وصعوبة في التحديد. وبذلك توسّع عدسة الطائرة المسيّرة فجوة المساءلة في الحروب المعاصرة، إذ تباعد بين الفاعلين البشريين ونتائج أفعالهم العسكرية، بينما تترك الضحايا عرضة لأذى يبدو وكأنه يأتي من العدم ولا يُحاسَب عليه أحد.
شيري كريبس أستاذة في القانون ومديرة مركز القانون بوصفه حماية في جامعة ديكن في ملبورن، أستراليا. وهي أيضًا زميلة بحثية متمرسة في برنامج ألكسندر فون هومبولت بجامعة هامبورغ، وباحثة منتسبة إلى مركز ستانفورد للأمن والتعاون الدولي (CISAC). يستند هذا المقال إلى بحث ممول من الحكومة الأسترالية من خلال هيئة البحوث الأسترالية (DE230101646).