حرب الطائرات المسيّرة وتدمير غزة
الجزء الأول – أسراب الطائرات المسيّرة ومحو الإنسانية
شيري كريبس
ترجمة: أماني
كان محمود المدهون، أو “الشيف محمود” كما عرفه كثيرون، يدير مطبخًا خيريًا كان يوفّر الطعام لمئات العائلات في شمال غزة. قُتل في ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٢٤ إثر ضربة مباشرة. أفادت عائلته بأنها رأت طائرة مسيّرة تحوم فوق المنزل قبل مقتله. بعد عام ونصف، هذا كل ما نعرفه. لا تعرف عائلته لماذا قُتل، ولا من أو ما الذي قتله؛ ولا تعرف إن كان قد قُتل بالخطأ أو نتيجة خطأ في تحديد الهوية، أو ما إذا كان الهدف المقصود في هجوم مخطط له مسبقًا. في ظل عدم الوصول إلى بيانات المراقبة الخاصة بالطائرة المسيّرة، يبقى مقتله عملاً تعسفيًا غير موثّق وغير مفسَّر.
كتبت فيسوافا شيمبورسكا في قصيدتها “معسكر الجوع في ياسلو”:
يعدّ التاريخ هياكله العظمية بأرقام مستديرة.
ألف وواحد يبقى ألفًا،
كأن الواحد لم يكن موجودًا قط.
تحصي أسراب الطائرات المسيّرة هياكلها العظمية بوصفها أهدافًا، فتمحو هويات أصحابها وقصصهم ووجودهم. لا تقدّم الخوارزميات تفسيرات، وهي غير قادرة على التأمل، ولا تملك نية.
في هذا المقال المؤلف من جزأين، أتناول ثلاثة عناصر في حرب الطائرات المسيّرة تفسّر دورها في محو إنسانية الفلسطينيين وإضفاء الشرعية على تدمير غزة. يركّز هذا الجزء على يساهم الاستشعار الرقمي في تحويل الأشخاص والأماكن إلى صور رقمية بديلة، كما يناقش تأثير تقنية الأسراب على الحكم البشري وعمليات اتخاذ القرار.أما الجزء الثاني فيبحث كيف تغيّر القدرات الرقمية معنى القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، بما يسهم في تقويض القيود الراسخة المفروضة على العنف المسلح المنظم.
تحويل البشر إلى صور رقمية بديلة
أستخدم مصطلح “تحويل البشر إلى صور رقمية بديلة” لوصف الطريقة التي تجمع بها الأنظمة الرقمية المعلومات عن الأشخاص أثناء النزاعات المسلحة وتحللها. إن الانتقال من جمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها بالاعتماد على البشر إلى الاستخبارات المؤتمتة المعززة بالذكاء الاصطناعي والتنبؤات الاحتمالية يعني اختزال الأفراد إلى متغيرات قابلة للترميز. يُنظر إلى الأشخاص من خلال عدسة تقنية تعيد إنتاجهم بصورة تشبه حقيقتهم، لكنها ليست مطابقة لها. فعلى سبيل المثال، تتيح العدسات العاملة بالأشعة تحت الحمراء رؤية بعض التفاصيل، مثل حركة الأشخاص أثناء العمليات الليلية، لكنها تفعل ذلك على حساب تفاصيل أخرى، كتمييز الألوان، وهو أمر قد يكون بالغ الأهمية في سياقات النزاع المسلح، حيث تتطلب بعض الرموز المحمية، مثل الصليب الأحمر، القدرة على التعرف إلى اللون.
تسهم أسراب الطائرات المسيّرة والخوارزميات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أيضًا في هذا التحويل الرقمي للأشخاص من خلال نوعية المعلومات التي تجمعها. فبدلًا من الاعتماد على بيانات مباشرة عن فرد معين، مثل: “شوهدت ياسمين وهي تنقل ذخيرة إلى موقع تابع لحركة حماس”، تركّز عمليات جمع البيانات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي على مؤشرات خطر احتمالية، مثل العلاقات الشبكية (احتواء هاتف ياسمين على أرقام أفراد آخرين يُشتبه بارتباطهم بحماس)، والبيانات الوصفية (أنماط بيانات معينة مثل المكالمات أو الرسائل القصيرة والمتكررة في ساعات غير اعتيادية، أو التبديل المتكرر بين الحسابات)، والمواقع الجغرافية (رُصدت ياسمين بالقرب من أعضاء معروفين في حماس أو في مواقع مرتبطة بها)، إضافة إلى عوامل ارتباط إحصائية أخرى.
تنتج هذه الأنواع من البيانات معرفة جديدة عن الأشخاص في مناطق النزاع المسلح، لكنها في الوقت نفسه تشوّه الصورة التي نكوّنها عنهم، وتحمل خطرًا متأصلًا يتمثل في النتائج الإيجابية الخاطئة، أي تصنيف شخص لا يشكل أي تهديد على أنه عالي الخطورة لمجرد انطباق بعض المؤشرات الاحتمالية عليه، رغم أن كل مؤشر منها قد يكون قابلًا للتفسير بشكل منفصل.
هناك عامل آخر يسهم في هذا التحويل الرقمي يتمثل في الفصل بين الصورة والصوت في المراقبة بواسطة الطائرات المسيّرة، وهو ما يغيّر الطريقة التي يعالج بها الدماغ البشري ما يراه ويفسره. فعدسة الطائرة المسيّرة تسمح بالتكبير وتوفر صورًا للأرض من مسافات بعيدة، لكنها لا تنقل الأصوات المصاحبة للمشهد في الواقع، ما يعيق التفسير الدقيق للأحداث. كما أن زاوية الرؤية العمودية بحد ذاتها تغيّر إدراكنا لما يجري على الأرض، وتحد من قدرتنا على تقدير طول الأشخاص، وقد تؤثر في قدرتنا على التمييز بين الأطفال والبالغين.

كان هذا هو التبرير الذي قدمه الجيش الإسرائيلي لاستهداف أربعة أطفال على شاطئ غزة في ١٧ تموز ٢٠١٤: إسماعيل بكر (٩ سنوات)، وعهد بكر (١٠ سنوات)، وزكريا بكر (١٠ سنوات)، ومحمد بكر (١١ سنة). قُتل الأطفال الأربعة بصاروخين أُطلقا عليهم بعدما اعتقد فريق تشغيل طائرة مسيّرة أنهم مقاتلون بالغون من حركة حماس. وبرّأ تحقيق عسكري الجنود المشاركين من أي مخالفة استنادًا إلى أن التمييز بين الأطفال والبالغين كان مستحيلًا من خلال عدسة الطائرة المسيّرة.
ومن الأمثلة الأحدث الهجوم الذي شنه الجيش الإسرائيلي على عدة سيارات إسعاف قرب تل السلطان في آذار ٢٠٢٥، والذي أدى إلى مقتل خمسة عشر مسعفًا وعامل إنقاذ. ففي حين زعم الجيش في البداية أن قواته استهدفت عناصر من حماس، عاد لاحقًا – بعد ظهور تسجيل مصور للعملية صوّره المسعف رفعت رضوان الذي قُتل في الهجوم – ليقرّ بأن القتلى كانوا من الطواقم الطبية وفرق الإنقاذ. وفي محاولة لتفسير هذا الهجوم وتبريره، أوضح الجيش أن العملية استندت إلى معلومات وردت من طائرة مراقبة مسيّرة رصدت “خمس مركبات تقترب بسرعة”، وهو ما ولّد تصورًا بوجود تهديد وشيك يستدعي استجابة فورية. في كلتا الحالتين، حوّلت طائرات المراقبة المسيّرة البشر – أطفالًا وعمال إنقاذ – إلى تهديدات ينبغي القضاء عليها فورًا.
تتفاقم المخاطر التي تهدد إنسانية الفلسطينيين بفعل تقنيات الطائرات المسيّرة، لأن نوعية البيانات التي تجمعها وتنقلها غالبًا ما تنزع الصفة الإنسانية عن الأشخاص الخاضعين للمراقبة. فعلى سبيل المثال، تعتمد بعض البيانات التي تعالجها هذه التقنيات على مؤشرات لا تُستخدم عادة لوصف البشر، مثل البصمات الحرارية أو إشارات الحركة. وتشمل بيانات أخرى أرقامًا لا يمكن أن تصف البشر أو تحصيهم بصورة ذات معنى، مثل الكسور والأرقام العشرية، كالتوقع بأن يؤدي هجوم ما إلى مقتل ٣٫٧ أشخاص كأضرار جانبية.

كما تخلق تقنيات الطائرات المسيّرة مسافة كبيرة بين صانعي القرار العسكري وضحاياهم. وقد نشر الجيش الإسرائيلي صورة التُقطت بواسطة طائرة مسيّرة لتبرير هجوم قاتل على شاحنات مساعدات في آذار ٢٠٢٤. واستُخدمت هذه الصورة لتبرير استهداف طالبي المساعدات عبر تصويرهم – رجالًا ونساءً وأطفالًا ومسنين وحتى حيوانات أليفة – من خلال عدسة الطائرة المسيّرة ككتلة غير قابلة للتمييز ومثيرة للتهديد، أو كسرب، بما يسلبهم فرديتهم وإنسانيتهم.
الأسراب في مواجهة البشر
صُممت أسراب الطائرات المسيّرة لمحاكاة السلوك البشري، ولإنتاج ممارسات شبيهة بالممارسات البشرية ولكن بسرعة وقوة ونطاق يفوق القدرات البشرية. ولهذا فإنها توفر مزايا عسكرية في سرعة الاستجابة وقدرات تحليل البيانات. غير أن لهذه المزايا ثمنًا يتمثل في فقدان قدرات إنسانية فريدة والتقليل من قيمتها.
فأسراب الطائرات المسيّرة غير قادرة على تطبيق المنطق السليم أو التكيّف مع السياقات الجديدة استنادًا إلى الحساسية الثقافية والفهم الاجتماعي. كما أنها غير قادرة على التأمل أو المراجعة الذاتية أو استخدام التفكير البشري لاتخاذ قرارات تتعلق بالحياة والموت. وتؤدي هذه الفروقات إلى الانتقال من التفكير البشري والتأمل الأخلاقي إلى مقاربة تقنية للأخطاء العسكرية تقوم على معدلات الخطأ والعيوب التصميمية، ومن مراعاة السياق والظروف المتغيرة إلى الاستنتاجات الاحتمالية والعلاقات الشبكية.
إن تسريع الحروب بواسطة قدرات أسراب الطائرات المسيّرة يوسع الفجوة بين القدرات الإدراكية للبشر وبين حجم وسرعة المعالجة التي تتمتع بها الآلات الحربية. وبينما تعد شركات ناشئة مثل شركة “إكستند” (Xtend) بتحسين القدرات العسكرية عبر أسطول من مئات الطائرات المسيّرة التي يتحكم بها شخص واحد ضمن ما تصفه بـ”الأنظمة الذاتية الموجّهة بشريًا”، أصبح من الواضح أكثر من أي وقت مضى أن أي إنسان لا يمتلك القدرات الإدراكية اللازمة لتقديم توجيه فعلي لمئات الروبوتات الحربية التي تنتظر أوامره.

بالعودة إلى محمود المدهون: كان محمود ناشطًا إنسانيًا من شمال غزة، وفّر الطعام لمئات العائلات في بيت لاهيا وللمرضى في مستشفى كمال عدوان. في ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٢٤ قُتل بضربة مباشرة على بعد أمتار قليلة من منزله. وأفادت عائلته بأنها شاهدت طائرة مسيّرة تحوم فوق المنزل قبل مقتله.أجرى ياسين مشربش، الصحفي في صحيفة “دي تسايت” الألمانية، تحقيقًا موسعًا لمعرفة أسباب وكيفية مقتل محمود. وبينما يستطيع الشهود وأفراد العائلة رواية تفاصيل حياة محمود والدمار الذي خلفه الهجوم، تبقى أسباب مقتله مجهولة. ومن دون الوصول إلى بيانات المراقبة الخاصة بالطائرة المسيّرة أو الاطلاع على عملية الاستهداف، يظل موته غير مفسر؛ فعل عنف تعسفي بلا سبب معروف أو جهة يمكن مساءلتها.هل قُتل عمدًا أم عن طريق الخطأ؟ هل استُهدف بناءً على مراقبة مباشرة أم كان مقتله جزءًا من عملية مخطط لها مسبقًا؟ من اتخذ القرار؟ هل سيُحاسب أحد؟ وهل سيشعر أحد بالندم؟
على الأرجح لن تعرف عائلة محمود الإجابة عن هذه الأسئلة أبدًا. كل ما تبقى لها هو الأزيز المتواصل للطائرات المسيّرة.
شيري كريبس أستاذة في القانون ومديرة مركز القانون بوصفه حماية في جامعة ديكن في ملبورن، أستراليا. وهي أيضًا زميلة بحثية متمرسة في برنامج ألكسندر فون هومبولت بجامعة هامبورغ، وباحثة منتسبة إلى مركز ستانفورد للأمن والتعاون الدولي (CISAC). يستند هذا المقال إلى بحث ممول من الحكومة الأسترالية من خلال هيئة البحوث الأسترالية (DE230101646).