تخطى إلى المحتوى انتقل إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ موجز للحرب المستمرة ونزع الإنسانية ٢٠٠٧–٢٠٢٣

دوتان هليفي

ترجمة: أماني

إن تدمير غزة وسكانها منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ ما كان ليبلغ هذا الحد لولا تسارع “نزع الإنسانية” عن الفلسطينيين منذ سيطرة حماس على القطاع عام ٢٠٠٧. لم يكن “نزع الإنسانية” عن غزة في إسرائيل مجرد ظاهرة ثقافية، بل كان حصيلة قرارات دولية مقصودة. ومن هنا، فإن فهم المسار الذي اتخذته الحرب على غزة يقتضي أن نسأل: ما السياسات التي انتهجتها إسرائيل تجاه قطاع غزة خلال الخمسة عشر عامًا التي سبقت أكتوبر ٢٠٢٣؟

يركّز هذا المقال على ثلاث سياسات إسرائيلية من هذا النوع، ويبيّن الدور الحاسم الذي لعبته في تشكيل طريقة إدارة إسرائيل للحرب، كما تطوّرت لاحقًا إلى حملة ابادة منظّمة. الأولى هي الحصار، أي السيطرة الصارمة على دخول البضائع إلى غزة وخروجها منها. الثانية هي عزل القطاع ومنع حركة الأشخاص. أما الثالثة فهي “أمننة” غزة، أي إخضاعها لأقصى درجات السيطرة العسكرية مع اتخاذ أدنى قدر من المسؤولية المدنية. بالتأكيد، لم تستجدّ أي من هذه السياسات في عام ٢٠٠٧. فقد تطوّرت جميعها تدريجيًا مع الانسحاب الإسرائيلي من غزة منذ تسعينيات القرن الماضي، واستمرّت خلال فترة الانتفاضة الثانية. لكن سيطرة حماس على القطاع عام 2007 أتاحت لإسرائيل ترسيخ هذه السياسات وتطويرها، سواء على مستوى الأدوات العسكرية أو في إطار الاستراتيجية الحكومية. لقد وفّرت سياسات الحصار والعزل والأمننة لإسرائيل أدوات لإدارة الصراع بعد انهيار مسار أوسلو. فقد نجحت في احتواء حماس داخل قطاع غزة، مع إبقاء قدر محدود من الاستقلال لها في الظاهر، بينما بقي الصراع في الضفة الغربية ضمن حدود ضيقة نسبيًا، واستمر التوسع الاستيطاني تمهيدًا لضم مستقبلي، دون اعتراض يُذكر من المجتمع الدولي. وكما بات واضحًا لاحقًا، فإن حالة الجمود التي ولّدتها هذه السياسات دفعت حماس إلى تنفيذ هجوم السابع من أكتوبر، الذي استهدف قواعد عسكرية إسرائيلية وتجمعات مدنية. في الوقت نفسه، مهّدت هذه السياسات الطريق لطبيعة الرد الإسرائيلي في العامين التاليين، بما حملا من العنف والتدمير. أما بالنسبة لمن تابعوا كيفية تحويل غزة، في الخطاب والممارسة الإسرائيلية، إلى مجرد هدف أمني عسكري، فإن ما شهدناه من جرائم حرب ودمار وقتل واسع لم يكن مفاجئًا تمامًا، بل كان، إلى حد كبير، نتيجة متوقعة.

الحصار

ردًا على سيطرة حماس على قطاع غزة عام ٢٠٠٧، أعلنت إسرائيل، برئاسة رئيس الوزراء آنذاك إيهود أولمرت، قطاع غزة “كيانًا معاديًا”، وفرضت عليه حصارًا كاملًا. الغى هذا القرار أحد الشروط الأساسية في اتفاقات أوسلو، الذي نصّ على أن قطاع غزة والضفة الغربية يشكّلان إقليمًا فلسطينيًا واحدًا وموحّدًا. بدأ الحصار الإسرائيلي على القطاع في عام ٢٠٠٧ بإغلاق كامل لثلاثة من أصل خمسة معابر بين إسرائيل وغزة، ولم يبقَ مفتوحًا سوى معبرين هما كرم أبو سالم (كيرم شالوم) في الجنوب وبيت حانون (ايرز) في الشمال. وبينما بقي معبر بيت حانون مخصّصًا لعبور الأشخاص من إسرائيل وإليها، استُخدم معبر كرم أبو سالم لنقل البضائع، بوصفه نقطة وصل بين مصر وإسرائيل وغزة. على المستوى الرسمي، سمحت إسرائيل فقط بإدخال ما وصفته بالإمدادات “الإنسانية” إلى القطاع، ومنعت دخول أي سلع تتجاوز الاحتياجات الأساسية، وكان الهدف المعلن من ذلك جعل ظروف الحياة أكثر قسوة ودفع السكان إلى الانتفاض ضد حماس. وفي هذا السياق، فإن تحويل السلع التجارية والمساعدات الإنسانية إلى أداة ضغط، الذي أصبح عنصرًا أساسيًا في حرب إسرائيل على غزة بعد السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، شكّل جزءًا من السياسة الإسرائيلية منذ عام ٢٠٠٧ على الأقل.

منذ ذلك الحين، كانت شدة الحصار تتغيّر تبعًا لتقدير إسرائيل لحجم التهديد القادم من غزة. فعلى سبيل المثال، بعد عام ٢٠٠٧، لم يُسمح بدخول سوى قائمة محدودة من المنتجات إلى القطاع. لكن هذه السياسة تغيّرت في عام ٢٠١٠، في أعقاب حادثة أسطول ماڤي مرمرة. إذ طرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نهجًا جديدًا يسمح، في العموم، بدخول معظم السلع، باستثناء قائمة آخذة في الاتساع من المواد غير المعلنة، معظمها مما يُعرّف بصفته مواد “ثنائية الاستخدام”، أي تلك التي يمكن تُستخدم لأغراض مدنية وعسكرية معًا. على مرّ السنوات، كان تصنيف الواردات على أنها “ثنائية الاستخدام” أداة أساسية للحد من قدرة غزة على النمو الاقتصادي وإعادة الإعمار. فكثير من المواد، مثل مواد البناء، وزيت الخروع، والأسمدة، وأجهزة الأشعة السينية، والرافعات، والألياف البصرية، إلى جانب آلاف المواد الأخرى، كان إدخالها يتم بشكل متقطع أو يُمنع كليًا.

إلى جانب هذا التخفيف الجزئي للحصار، غضّت إسرائيل، منذ عام ٢٠٠٩ وفي عهد نتنياهو، الطرف عن ازدهار اقتصاد الأنفاق على طول الحدود بين القطاع ومصر، في ما يُعرف بمحور فيلادلفيا. فعبر هذه الأنفاق، كان سكان غزة يهرّبون كل شيء تقريبًا، من معجون الأسنان إلى أجهزة التلفاز، ومن حيوانات حيّة إلى مركبات، لتصبح الأنفاق النشاط الاقتصادي الأكثر ربحًا في القطاع. أما مدينة رفح، الممتدة على جانبي الحدود، فتحوّلت إلى مركز اقتصادي يقوم أساسًا على تجارة الأنفاق. كما شكّلت هذه الأنفاق مصدر دخل مهم لحماس، إذ أتاحت لها جباية الضرائب والحفاظ على سيطرتها على القطاع. وبهذا، كان التغاضي عن اقتصاد الأنفاق بمثابة اعتراف غير معلن من قبل إسرائيل بسلطة حماس، وفي الوقت نفسه وسيلة لتوفير متنفس اقتصادي محدود للقطاع، مع الاستمرار رسميًا بفرض الحصار عليه باعتباره كيانًا معاديًا.

ابتداءً من عام ٢٠١١، باتت شدّة الحصار تتغيّر صعودًا وهبوطًا بالتوازي مع التطورات السياسية وجولات المواجهة العسكرية المتكررة. ومع تغاضي إسرائيل، وتولي محمد مرسي من جماعة الإخوان المسلمين الرئاسة في مصر بين عامي ٢٠١٢ و٢٠١٣، شكّلت تلك الفترة ذروة ازدهار اقتصاد الأنفاق. لكن عندما وصل عبد الفتاح السيسي إلى الحكم في مصر عبر انقلاب عسكري عام ٢٠١٣، قام بتدمير معظم الأنفاق في إطار استهدافه لجماعة الإخوان المسلمين، ما أدّى إلى تدهور اقتصادي حاد في غزة. ومن نتائج هذه الأزمة أن حماس سعت إلى المصالحة مع حركة فتح، والعمل على إجراء انتخابات جديدة في إطار السلطة الفلسطينية بهدف تشكيل حكومة وحدة. وكان لمثل هذه الخطوة تداعيات كبيرة على قدرة إسرائيل على الاستمرار في إدارة غزة والضفة الغربية بشكل منفصل. تصاعد التوتر في الضفة الغربية، وانتهى باختطاف ثلاثة فتيان وقتلهم جنوب الخليل على يد خلية مرتبطة بحماس. وقد تحوّل الردّ الإسرائيلي العنيف في الضفة إلى مواجهة مفتوحة مع حماس في غزة، انتهت بإطلاق العملية العسكرية “الجرف الصامد” عام ٢٠١٤.

بعد عام ٢٠١٤، عادت إسرائيل إلى تخفيف الحصار مرة أخرى. وكان حجم الدمار الذي خلّفته العملية العسكرية في غزة هائلًا إلى درجة دفعت إسرائيل إلى التعاون مع السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة لإقامة آلية لإعادة الإعمار تسمح بإدخال كميات كبيرة من مواد البناء. وكان الشرط الأساسي في هذه الآلية أن تمر من دون إشراك حماس. وهكذا نشأت آلية إعادة إعمار غزة، التي ظلّت، حتى اندلاع الحرب الحالية، تنظّم جزءًا كبيرًا من عمليات إعادة البناء في القطاع. وقد أُنشئت هذه الآلية بهدف تسهيل وتسريع إعادة إعمار غزة بصورة فعّالة، لكنها في الواقع أدّت إلى تعقيدات لوجستية أعاقت الإعمار بدل أن تدفعه إلى الأمام. فبقيت أحياء سكنية مدمّرة لسنوات، واضطر كثير من سكان غزة إلى العيش في بيوت مهدومة أو إلى النزوح داخل القطاع.

في ظل غياب أي أفق لتحسّن الأوضاع، خرج سكان غزة في عام ٢٠١٨ بغضبهم إلى حدود القطاع، ونظّموا مسيرات واسعة في المناطق الزراعية المحاذية للسياج مع إسرائيل. هدفت “مسيرات العودة الكبرى” إلى تحدي كل من حماس وإسرائيل بوسائل سلمية، والمطالبة بتعزيز الوحدة الفلسطينية. بالمقابل، استخدمت حماس هذه الفعاليات لحشد شبّان ومحاولة دفعهم لاقتحام السياج. ردّ الجيش الإسرائيلي بإطلاق نار بواسطة القنّاصين، ما أدى إلى مقتل مئات الفلسطينيين، وتحوّل المشهد إلى مواجهات استمرت نحو عامين على طول الحدود. في تلك الفترة، واجهت سلطة حماس تحديات داخلية، وعادت إلى السعي للمصالحة مع حركة فتح، ما دفع الطرفين إلى الاتفاق على إجراء انتخابات في عام ٢٠٢١. لكن مع اقتراب موعد الانتخابات، منعت إسرائيل الفلسطينيين في القدس، الذين يشكّلون نحو ٦-٧٪ من الشعب الفلسطيني، من المشاركة في التصويت. وقد أدّى هذا التوتر المتصاعد في نهاية المطاف إلى اندلاع مواجهات مفتوحة في شهر أيار، انتهت بحرب عام ٢٠٢١ في غزة. عقب ذلك، شدّدت إسرائيل قبضتها مرة أخرى، قبل أن تعود وتخففها جزئيًا عبر زيادة عدد تصاريح العمل داخل إسرائيل إلى حوالي عشرين ألف تصريح، وذلك للمرة الأولى منذ عام ٢٠٠٧، مما وفّر متنفسًا اقتصاديًا مهمًا في ظل معدلات بطالة قاربت ٥٠٪. وبصورة عامة، سواء في فترات التشديد أو التخفيف، حافظت إسرائيل على سيطرتها على كل ما يدخل إلى غزة ويخرج منها، جاعلة القطاع مساحة يمكن أن تنزلق إلى كارثة في أي لحظة حسبما تقرر.

File:Palästinensische Demonstranten während des Großen Rückkehrmarsches.jpg

متظاهرون فلسطينيون خلال مسيرة العودة الكبرى. صورة فوتوغرافية لمحمود بسام، ٦ نيسان ٢٠١٨ (مجموعة صور الأونروا).

العزل

إلى جانب السيطرة على تزويد السلع وحركتها، فرضت إسرائيل منذ عام ٢٠٠٧ قيودًا مشددة على حركة الأشخاص من غزة إلى إسرائيل أو إلى الضفة الغربية. كما قامت “سياسة الفصل” التي أعلنتها إسرائيل، والقائمة على عزل قطاع غزة عن الضفة الغربية، على تصنيف الفلسطينيين بوصفهم مقيمين في واحدة فقط من هاتين المنطقتين، ومنعت نقل مكان الإقامة من القطاع إلى الضفة. بموجب هذه السياسة، لم يكن السفر المؤقت إلى إسرائيل أو إلى الضفة الغربية لأغراض الدراسة أو العلاج أو زيارة العائلة مسموحًا به غالبًا، إلا في حالات نادرة كانت تتطلب إجراءات بيروقراطية معقدة وكلفة كبيرة من حيث الوقت والمال.

كان الجيش الإسرائيلي يحدّد أحيانًا فئات لحالات استثنائية، دون أن يعلن عنها بشكل رسمي. كانت هذه الفئات تُتداول داخليًا ضمن ما عُرف بوثائق “وضع التصاريح”، وغالبًا ما كانت تقتصر على حضور مناسبات عائلية لأقارب من الدرجة الأولى أو الحصول على علاج طبي طارئ. جميع تصاريح الخروج من غزة كانت قصيرة الأمد، تُمنح عند الحاجة، وتُصدر بصفة استثنائية ومن دون أن تشكّل سابقة قانونية. كانت الأجهزة الأمنية تتولى فحص طلبات الخروج في مراحلها الأولى بشكل سري، من دون رقابة أو شفافية. في بعض الحالات، كانت المحاكم تتدخل وتلغي هذه القرارات عندما تتقدّم منظمات حقوقية بالطعن فيها. لكن معظم الفلسطينيين الذين كانوا يسعون إلى مغادرة غزة لم يكن بمقدورهم تحمّل كلفة اللجوء إلى القضاء، كما أن قدرات منظمات حقوق الإنسان التي كانت تتولى هذه القضايا بشكل تطوعي لم تكن كافية لتلبية حجم الطلب.

كان الإبقاء على سكان غزة محاصرين داخل القطاع يهدف إلى منع زيادة عدد الفلسطينيين في الضفة الغربية نتيجة تغيير مكان الإقامة، بما يسهّل التوسع الاستيطاني ويفتح الطريق أمام ضم محتمل في المستقبل. وفضلًا عن ذلك، لم تقتصر القيود الإسرائيلية على الحركة بين غزة وإسرائيل أو الضفة الغربية، بل شملت أيضًا السفر عبر معبر رفح، وهو المنفذ الوحيد لقطاع غزة إلى مصر. فمنذ انسحاب إسرائيل من غزة عام ٢٠٠٥، كانت توافق على جميع حالات الدخول والخروج عبر رفح أو ترفضها، في إطار التنسيق الأمني مع مصر. وقد كان ذلك ممكنًا لأن سجل السكان الفلسطينيين، بما يشمله من بيانات الولادة والوفاة والإقامة والحالة الشخصية، يُدار بصورة مشتركة بين السلطة الفلسطينية ووزارة الداخلية الإسرائيلية، وفقًا لاتفاقات أوسلو.

إجلاء طبي للفلسطينيين المصابين عبر معبر رفح، قطاع غزة. صورة فوتوغرافية لأشرف ابو عمرة، ٧ آذار ٢٠٢٥ (مجموعة صور الأونروا)

وعلى نحوٍ مشابه لاستخدام السلع والمساعدات الإنسانية كأداة ضغط، فإن سياسة حصر الفلسطينيين في مساحات تتقلّص باستمرار، كما بانت خلال الحرب، تمتد جذورها إلى عقود من سياسات الفصل. في آذار ٢٠٢٤، وفي ذروة الحرب، اقترحت الصحافية عميرة هاس أن تسمح إسرائيل للمدنيين في غزة بإنقاذ حياتهم عبر انتقال آمن إلى الضفة الغربية. لكن عزلة غزة كانت قد أصبحت أمرًا مفروغًا منه إلى درجة أن إسرائيل لم تنظر في مثل هذا الخيار أصلًا، حتى بالنسبة للجرحى أو الأطفال المرضى أو كبار السن. حتى مع ما ترتّب على ذلك من سقوط عشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء، فضّلت إسرائيل الإبقاء على سياسة الفصل باعتبارها ركيزة أساسية، لما تتيحه من إمكانية لضمّ الضفة الغربية مستقبلًا مع أقل عدد ممكن من الفلسطينيين. في تحليلٍ لمنطق خطة الانسحاب عام ٢٠٠٥، رأى الباحث الأميركي في شؤون الشرق الأوسط داريل لي أن جوهر سياسة عزل غزة يقوم على حصر أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين داخل أضيق مساحة ممكنة. وقد جاءت ممارسات إسرائيل خلال الحرب تعبيرًا قاسيًا عن هذا المنطق.

وعلى نحو قد يبدو غير متوقّع، فإن السيطرة المشددة التي فرضتها إسرائيل على حركة الفلسطينيين حالت أيضًا دون قدرتهم على الهجرة منذ عام ٢٠٠٧. فقد جعلت القيود البيروقراطية شبه المستحيلة، إلى جانب تدهور الأوضاع الاقتصادية وقطع الصلات مع العالم الخارجي، من مغادرة القطاع أمرًا غير ممكن عمليًا بالنسبة لمعظم الفلسطينيين. كما أصبح ادخار المال، والحصول على تأشيرات، وبناء علاقات مع جهات داعمة في الخارج، أكثر صعوبة مع مرور الوقت. فالهجرة تتطلّب قدرًا من الحرية، في حين اعتمدت المنظومة الأمنية الإسرائيلية على سلب هذه الحرية تحديدًا، وعلى مراقبة تحرّكات الأفراد في غزة بشكل دقيق. على مدار السنوات، تمكّن بعض سكان غزة من الخروج من القطاع أو العودة إليه بطرق غير قانونية عبر أنفاق رفح، وغالبًا مقابل كلفة مالية مرتفعة. إلا أن حجم هذه الظاهرة ومدى انتشارها بقيا غير واضحين. وفي جميع الأحوال لم يكن هذا المسار خيارًا مفضّلًا، إذ كان يترك من يعبرون إلى مصر في وضع إقامة غير قانونية.

بقيت هذه الديناميكية على حالها خلال الحرب أيضًا. فقد أعلنت إسرائيل صراحة أن هدفها الأساسي هو تهجير سكان القطاع. ومع ذلك، فإن عمليات التهجير القسري الواسعة والمتكررة خلال الهجوم الإسرائيلي دفعت معظم سكان غزة إلى التكدّس في مساحات أصغر فأصغر داخل القطاع، فيما لم يتمكن من المغادرة سوى قلة محدودة، عبر دفع مبالغ مالية كبيرة وبمساعدة جهات داعمة من خارج غزة. ومنذ أيار ٢٠٢٤، حين بسطت إسرائيل سيطرتها على جنوب القطاع، بما في ذلك معبر رفح، أصبح الخروج من غزة شبه متعذّر.

الأمننة

في ظل استمرار سياسات الحصار والعزل، تحوّلت حماس من خصم لحكومات اليمين في إسرائيل إلى حليفها السياسي الأهم. فقد خدم الحصار المتواصل، والهجمات الصاروخية، والعمليات العسكرية، الهدف المشترك للطرفين في منع أي مفاوضات تفضي إلى تسوية سلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. لهذا، اختارت إسرائيل ألا تسعى إلى إسقاط حماس، بل إلى “احتوائها” من خلال حروب دورية، مدمّرة ودامية، لكنها محدودة النطاق. أما من جهة حماس، فمنذ عام ٢٠٠٧، تمثّل هدفها الأساسي في الضغط على إسرائيل لرفع الحصار، لا في تحرير فلسطين. بهذا المعنى، يمكن القول إن الحصار عاد بالنفع أيضًا على حماس. فقد أتاح لها أن تتفاخر بسيطرتها على أكبر جزء متصل من فلسطين التاريخية من دون وجود إسرائيلي داخله، وفي الوقت نفسه أن تتحدى إسرائيل عسكريًا عبر إطلاق صواريخ وصلت إلى أجزاء واسعة من البلاد، وأن تردع التوغلات الإسرائيلية. عقب كل جولة من جولات القتال، في أعوام ٢٠٠٨ و٢٠١٢ و٢٠١٤ و٢٠١٨ و٢٠٢١ و٢٠٢٢، كانت حماس توقّع اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت مع إسرائيل، بما عزّز مكانتها كسلطة شبه سيادية اضطرت إسرائيل إلى التعامل معها على هذا الأساس.

أما بالنسبة لإسرائيل، فقد كان هذا ترتيبًا مريحًا لها. فهي كانت تسيطر على غزة من جميع الجهات، من الجو وتحت الأرض وعبر البحر، فضلًا عن سيطرتها على تسجيل هويات الفلسطينيين، وخطوط الهاتف والإنترنت، والعملة، وحركة التنقل، وغير ذلك. وإضافة إلى ذلك، ما دامت حماس تُعامل بوصفها سلطة شبه سيادية، كان بإمكان إسرائيل أن تدّعي أنها ليست قوة احتلال في القطاع. هكذا تبلور النهج الذي اعتمدته إسرائيل تجاه غزة في معادلة واضحة: أقصى درجات السيطرة مقابل أدنى قدر من المسؤولية. وتمثلت هذه السيطرة في احتواء التهديد الصادر من غزة عسكريًا. فقد أُحيط القطاع بحاجز مادي شمل منطقة عازلة، وأسوارًا وجدرانًا ذكية، بما في ذلك في البحر، إلى جانب حاجز تحت الأرض لمنع الأنفاق، ومراقبة دائمة بالطائرات المسيّرة، وأبراج مراقبة مزوّدة برشاشات تُدار عن بُعد، ومنظومات رادار لرصد الصواريخ واعتراضها. في الوقت نفسه، أنكرت إسرائيل أي مسؤولية عن أثر هذه الإجراءات الأمنية على السكان المدنيين في القطاع. وقد نجحت الحكومة مرارًا في إقناع حتى المحكمة العليا الإسرائيلية بأن إسرائيل غير ملزمة بتوفير حقوق أو امتيازات أو حرية مرور من إسرائيل وإليها، ولا خدمات أو سلع لسكان غزة، بحجة أن الحديث يدور عن سكان أعداء لا عن سكان مدنيين واقعين تحت الاحتلال. وقد وجّهت هذه السياسة استخدام إسرائيل غير المقيّد للعنف ضد سكان غزة، ففرضت على القطاع واقعًا من القتل خارج إطار القانون بشكل متكرر بواسطة الطائرات الحربية أو الطائرات المسيّرة، مع تصنيف مقتل المدنيين باعتباره “أضرارًا جانبية”.

وكان عدي أوفير وأريئيلا أزولاي قد ادّعيا أنه بعد عام ٢٠٠٧ تخلّت إسرائيل عن غزة، وتركتها من دون أي إطار قانوني يحكمها، بحيث أصبح قتل سكانها ممكنًا من دون محاسبة. ومنذ ذلك الحين، أثبت الواقع صحة هذا الطرح. فمنذ عام ٢٠٠٨، قُتل آلاف الأشخاص في غزة في كل حرب، ونشأ نحو ١.١ مليون إنسان، أي ما يقارب نصف سكان القطاع، وهم لا يعرفون سوى هذه الحقيقة.

ومع الوقت، تعزّز هذا الفراغ القانوني في غزة أكثر، مع اعتماد إسرائيل المتزايد على الأنظمة التكنولوجية في المجال الأمني بدلًا من الجنود. فقبل السابع من أكتوبر، استخدمت إسرائيل أدوات ذكاء اصطناعي تعتمد على الاحتمالات وتعلّم الآلة لتوليد أهداف عسكرية، بحيث أصبح كل شخص وكل مكان في القطاع هدفًا محتملًا. هذه الأدوات لا تتيح تتبّع كيفية معالجة البيانات، ما يجعل فكرة القتل من دون محاسبة أكثر ترسّخًا. وبحكم تصميمها، لا يمكن تحميل أي جهة المسؤولية عن قرار القتل الذي تتخذه الآلة. قد طُوّرت هذه الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في إطار ما يُعرف بإدارة الصراع، حيث كانت جولات المواجهة المحدودة والمتكررة تتطلب قائمة مستمرة من الأهداف لسنوات طويلة. لكن استخدام هذا النظام في حرب شاملة تقوم على الانتقام والتدمير بعد السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ حوّله إلى أداة للإبادة، وأدّى إلى سقوط أعداد غير متناسبة من الضحايا المدنيين، بينهم عشرات آلاف الأطفال. 

أما على الجانب الإسرائيلي، فقد أدّت ستة عشر عامًا من الأمننة إلى تطوير تقنيات متقدمة للرصد والاعتراض والإنذار، استُخدمت لاحتواء تهديد الصواريخ والقذائف القادمة من قطاع غزة. وفي ظل العزل، باتت صورة غزة لدى الإسرائيليين مرتبطة أساسًا بهذا التهديد الصاروخي. ونادرًا ما يكون أي إسرائيلي دون الثلاثين قد رأى فلسطينيًا من غزة في حياته اليومية أو تحدّث معه مباشرة. في الوقت نفسه، ساهمت الحماية التي وفّرتها القبة الحديدية ومنظومة الإنذار المتقدمة في أن يرى الإسرائيليون الهجمات الصاروخية المتكررة كمسألة صمود وتحمل، لا كأزمة سياسية تتطلب حلًا سياسيًا. وفي هذا السياق وبالنسبة إلى الجيل الذي نشأ خلال تلك السنوات، لم تكن غزة بكل سكانها البالغ عددهم نحو ٢.٣ مليون نسمة، سوى مصدر إزعاج. وقد وصف عالم الاجتماع الإسرائيلي يغيل ليڤي المقاربة السائدة التي تبلورت في إسرائيل قبل السابع من أكتوبر بأنها “نزع الإنسانية عبر الجهل”. واعتبر أن أحدًا لم يعمل بصورة مباشرة على تلقين الإسرائيليين النظر إلى سكان غزة بوصفهم فئة ينبغي القضاء عليها، لكن غزة وسكانها ظلّوا، بالنسبة إلى معظم الجمهور الإسرائيلي، واقعًا بعيدًا وغريبًا لا يحضر في الوعي إلا نادرًا، إن حضر أصلًا.

في هذه الحالة أيضًا، ظلّ النمط الذي ترسّخ قبل الحرب الانتقامية التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر حاضرًا في سلوك إسرائيل خلال الحرب. فقد قادت معادلة “أقصى درجات السيطرة وأدنى قدر من المسؤولية” إلى تجاهل إسرائيل لتبعات اجتياحها البري للقطاع. ووفقًا لقوانين الاحتلال، فإن القوة القائمة بالاحتلال مُلزَمة بأن تحلّ محلّ السلطة السابقة، وأن توفّر للسكان المدنيين إدارة مؤقتة وخدمات إلى حين انتهاء الأعمال القتالية. فمن بين الأهداف المعلنة لهذه الحرب كان تدمير القدرات العسكرية والإدارية لحماس. لكن إسرائيل، مع بدء اجتياحها، امتنعت عن إقامة أي جهاز إداري للسكان الذين أصبحوا فعليًا تحت سيطرتها، فإما أمرتهم بالإخلاء تحت النار إلى مناطق لم تكن قد احتلتها بعد، وإما تركتهم يواجهون مصيرهم في مناطق معزولة ومناطق قتال تتعرض للقصف من دون غذاء أو إمدادات. ومع توسّع سيطرة إسرائيل على مزيد من مناطق غزة، أخذ الجيش يوسّع هذا الأسلوب. فبدل أن يتحمّل مسؤولية السكان، عمل بشكل منهجي على تدمير المباني السكنية والبنى التحتية، بحيث لا يتمكن المدنيون من البقاء فيها أو العودة إليها، ودفعهم إلى مناطق أصغر فأصغر، حيث يمكن الإبقاء على نهج “انعدام المسؤولية”. وهكذا، كان المدنيون الذين يدخلون إلى مناطق خاضعة لسيطرة الجيش يدخلون فعليًا إلى مناطق قتل، حتى عندما كانت هذه المناطق مخصّصة رسميًا لتقديم خدمات مدنية. ومن الأمثلة على ذلك مراكز توزيع المساعدات التي أدارتها “مؤسسة غزة الإنسانية” GHF، والتي تحوّلت في الواقع إلى ساحات قتل، لا يعرف حدودها سوى الجيش. وفي مقابلة مع صحافي “هآرتس” نير حسون، قال أحد الجنود الذين خدموا هناك إن هذه المراكز، رغم أنها خُصصت للمدنيين، لم يُزوَّد الجنود فيها بوسائل غير قاتلة لتفريق الحشود، مثل الغاز المسيل للدموع. وكان المطلوب منهم التعامل مع المدنيين الذين يأتون للحصول على المساعدة باستخدام الذخيرة الحية. هذا التفصيل البسيط، الذي مرّ من دون أن يلتفت إليه أحد تقريبًا، يختصر القصة كلها. فوجود وسائل غير قاتلة بيد الجيش كان يمكن أن يشير، ولو جزئيًا، إلى تحمّل إسرائيل مسؤولية ما عن حياة الفلسطينيين. لكن في غزة، حيث تآكلت قيمة الحياة الإنسانية على مدى ستة عشر عامًا من نزع الإنسانية، أصبح ذلك أمرًا غير وارد.

فلسطينيون نازحون خلال رحلة عودتهم إلى غزة والشمال عبر شارع الرشيد. صورة فوتوغرافية لأشرف ابو عمرة، ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٥ (مجموعة صور الأونروا)

خاتمة

إن السياسات التي شكّلت واقع غزة بين عامي ٢٠٠٧ و٢٠٢٣، من حصار وعزل وأمننة، لم تكن إجراءات منفصلة أو ردود فعل ظرفية، بل آليات متداخلة عزّزت بعضها بعضًا، وحوّلت القطاع إلى ساحة لحرب مستمرة ونزعٍ للإنسانية. ومع مرور الوقت، خلقت هذه السياسات واقعًا سياسيًا لم تعد فيه غزة تُرى أو تُدار كمجتمع يضم أكثر من مليوني إنسان، بل كمشكلة يجب احتواؤها، وكملف أمني لا كجماعة لها حقوق ومطالب سياسية ومدنية وإنسانية. قد أتاح هذا التضييق المتعمَّد في مكانة غزة لإسرائيل أن تفرض سيطرة كاملة مع التهرّب من المسؤولية، وأن تكرّس واقعًا سياسيًا أصبح فيه الحرمان، وتقييد الحركة، وتكرار القتل الجماعي أمورًا اعتيادية. 

هذه السياسات نفسها هي التي خلقت أيضًا الظروف التي جعلت أحداث السابع من أكتوبر ممكنة. فمن خلال إغلاق غزة والإبقاء على حالة من الانهيار المعلّق، عمّقت إسرائيل اندفاع حماس نحو المواجهة، وفي الوقت نفسه أغلقت أي أفق لحل سياسي. وعندما كسرت حماس القواعد التي حكمت إدارة الصراع لسنوات طويلة، جاء ردّ إسرائيل من داخل الإطار الوحيد الذي أعدّته لغزة مسبقًا: أقصى درجات القوة مقابل أدنى قدر من الالتزام. وكانت النتيجة، بعد ستة عشر عامًا من نزع الإنسانية وتآكل البنية التحتية، حربًا أُديرت باستخفاف كارثي بحياة المدنيين. 

إذا كان من شيء يبيّنه المسار الممتد من ٢٠٠٧ إلى ٢٠٢٣، فهو أن ما حدث لم يكن انهيارًا مفاجئًا، بل حصيلة مسار طويل.  فالحصار والعزل والأمننة قُدّمت بوصفها أدوات مؤقتة للضبط والحماية، لكنها ما لبثت أن تحوّلت إلى نظام أنتج الدمار نفسه الذي ادّعى أنه جاء لمنعه. إن فهم هذا المسار يفرض مواجهة صريحة: فالعنف الذي نشهده اليوم ليس حالة طارئة أو استثناء، بل هو النتيجة المنطقية لسياسات تعاملت مع مجتمع كامل وكأنه يمكن الاستغناء عنه. أي مستقبل يقوم على العدالة، لا على تكرار سياسات الاحتواء، لا بد أن يبدأ بتفكيك البُنى التي جعلت هذا الواقع ممكنًا، بل وجعلته، في نهاية المطاف، أمرًا لا مفرّ منه.

دوتان هاليفي مؤرخٌ للشرق الأوسط الحديث، ومحاضرٌ أقدم في قسم تاريخ الشرق الأوسط وأفريقيا بجامعة تل أبيب. وهو المحرر المشارك (بالاشتراك مع حانا بن يهودا) لكتاب “غزة: مكان وصورة في الحيّز الإسرائيلي” (دار نشر غما، تموز 2023 [بالعبرية]). كما أن كتابه الأول، Stripped: A Modern History of the Gaza Borderland، قيد التعاقد حالياً مع مطبعة جامعة ستانفورد.