توظيف معاداة السامية كسلاح: إسرائيل، وتعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA)، وقمع الانتقاد
عاموس غولدبرغ
من أكثر الوسائل فعالية لمنع الانتقاد الموجه لإسرائيل وللصهيونية كأيديولوجيا قومية، بدءًا من القرن الحادي والعشرين ولا سيما منذ السابع من أكتوبر، هو وسم هذا النقد بأنه معادٍ للسامية. فمنذ الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا تسعينيات القرن الماضي، أصبحت معاداة السامية في أجزاء واسعة من العالم، خصوصًا فيما يُسمّى “العالم الغربي”، موقفًا يفتقر إلى أي شرعية أخلاقية أو مجتمعية — عن حق وجدارة. فوصم شخص ما، خاصة إن كان سياسياً على أنه معادٍ للسامية يمكن أن يُنهي مسيرته المهنية. كما أن اتهام منظمة ما بمعاداة السامية قد يؤدي إلى حظرها بموجب القانون أو دفعها إلى هامش المجال السياسي والثقافي. لهذا السبب، يفرض وصم الانتقاد الموجه لإسرائيل بمعاداة السامية رقابة قوية جدًا على النقاش العام برمته، بما يشمل وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام، والأوساط الأكاديمية، والمجال السياسي. فهي آلية محكمة تتيح التملص من الانتقادات الموجهة لإسرائيل، وتحرّف مسار النقاش ليدور حول ما إذا كان النقد ذاته معاديًا للسامية. هكذا، على سبيل المثال، ينتقل الجدل حول ما إذا كانت إسرائيل دولة فصل عنصري (أبارتهايد) أو ما إذا كانت ترتكب جرائم فظيعة (بما في ذلك الإبادة الجماعية) إلى سؤال عمّا إذا كانت هذه الحجج ذاتها معادية للسامية. في نقاش من هذا النوع، لا يقتصر الأمر على الامتناع عن مناقشة طبيعة إسرائيل وآثار أفعالها، بل إن منتقدي إسرائيل يجدون في نهاية المطاف أنفسهم دائمًا في موقع دونية وتجريد من الشرعية.
بهذا الشكل، تنقلب المعادلة على نحوٍ إشكالي. فبينما كان النضال ضد معاداة السامية تاريخيًا نضالًا تحرريًا من أجل المساواة في الحقوق وحماية اليهود كأقلية من استبداد مجتمع الأغلبية والدولة، أصبح هذا النضال الآن أداة تتيح لدولة (إسرائيل) ولجماعة قومية مهيمنة (اليهود) سلب أبسط الحقوق الأساسية من الشعب الخاضع للهيمنة (الفلسطينيين)، بما في ذلك الحق في الحياة. فحين تُفهم معاداة السامية بوصفها الإطار التحليلي الأوحد لفهم الصراع، يُقدَّم الفلسطينيون على أنهم معارضون لإسرائيل ولسياساتها، لا بسبب ما فعلته بهم، بل بسبب كراهية مزعومة متأصلة فيهم تجاه اليهود. بالتالي، يُصرف النظر عن الصراع بوصفه صراعًا استعماريًا، أو حتى نزاعًا قوميًّا، ويُعاد تأطيره كصراعٍ عرقيّ محض. بحسب هذا المنطق، فإن كراهية اليهود هي السبب وراء معارضة الفلسطينيين ومؤيديهم لدولة إسرائيل وسياساتها، وقتالهم لها.
إن الأداة السياسية شبه القانونية الأساسية التي تتيح هذا التشويه في جوهر الصراع هي ‘تعريف معاداة السامية’ الذي اعتمده التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (بالإنجليزية: International Holocaust Remembrance Alliance، ويُعرف اختصارًا بـ IHRA). أطلق الفيلسوف الإسرائيلي عادي أوفير على هذا التعريف لقب “القبة الحديدية الخطابية“. فهو يشكّل إطارًا تُقاس في ضوئه الادعاءات الموجّهة إلى إسرائيل والصهيونية، ويُستخدم لاتهام هذه الادعاءات بمعاداة السامية، بدلًا من مناقشة مضمونها أو النظر فيها في ضوء الواقع.
تعود جذور هذا التعريف إلى مطلع الألفينات. إذ صاغت هيئات راصدة لمعاداة السامية في أوروبا تعريفاً عملياً يُسهّل عملها المشترك. منذ لحظاتها الأولى، قوبل التعريف بالانتقادات بدعوى أنه يضيّق حرية التعبير بصورة مفرطة، لكنه ما إن صيغ حتى بدأ يسلك مسارًا مستقلًا بذاته. إذ أقحمته جهات ذات مصالح ونفوذ كبيرين إلى المنظومة السياسية الدولية، حتى بلغت هذه العملية ذروتها في مايو/أيار 2016، حين تبنّته منظمة التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA). تأسست المنظمة عام 1998 بهدف الحفاظ على ذكرى الهولوكوست في العالم، وتضم اليوم 35 دولة (تكاد جميعها تنتمي إلى الشمال العالمي). بذلت بعض الدول الأعضاء في المنظمة آنذاك، على رأسها إسرائيل، ألمانيا، الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، كل ما في وسعها لإدراج تعريف IHRA لمعاداة السامية في أنظمة الحكم والمجتمع والثقافة والاقتصاد، بل وحتى في المنظومات القانونية داخل بلدانها وعلى الساحة الدولية. انضمت إلى هذه المساعي كذلك غالبية المنظمات اليهودية الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا، ثم انضمت إليها لاحقًا جهات محافظة غير يهودية. حققت هذه التعبئة نجاحًا لافتًا، فقد اعتمدت عشرات الدول هذا التعريف إلى جانب مئات المنظمات، بدءًا من الجامعات ووصولًا إلى أندية كرة القدم وشركات الطيران. وهنا، تجدر الإشارة إلى أنه لم تُقدَّم حتى اليوم أي أدلة تثبت أن اعتماد تعريف IHRA أدى إلى انخفاض مستوى معاداة السامية في أي مكان في العالم. بل على العكس؛ فالمنظمات التي ترصد مستوى معاداة السامية، والتي تكون عادةً من أبرز الجهات التي تروّج لهذا التعريف، تواصل الإبلاغ عن ارتفاع مستمر في مستوى معاداة السامية رغم اعتماد التعريف.
يتكون “تعريف IHRA لمعاداة السامية“ من صياغة أساسية متكلّفة وغامضة، يليه أحد عشر مثالًا يُفترض أنها تهدف إلى “توضيحه”، سبعةٌ منها تدور حول إسرائيل. في هذه الأمثلة تحديدًا، تكمن أبرز الإشكالات في تعريف IHRA لمعاداة السامية، والتي تتجلى في أربعة أوجه رئيسية:
أ. يخلط التعريف بأمثلته التوضيحية بين اليهودية والصهيونية، ويضع النقد الجوهري لإسرائيل والصهيونية في خانة معاداة السامية.
ب. تُدرج ضمن معاداة السامية الادعاءات القائلة إن إسرائيل دولة عنصرية (دولة فصل عنصري، أو دولة تقوم على “التفوق اليهودي”، أو دولة ترتكب إبادة جماعية، أو اعتبار النكبة تطهيرًا عرقيًا، وغير ذلك).
ج. يرى التعريف أن أي “تطبيق لمعايير مزدوجة” تجاه إسرائيل يعد شكلا من أشكال معاداة السامية. غير أن غياب أي مرجعية دولية لتحديد معنى “المعيار المزدوج” وإمكانية قياسه، يتيح بدوره وصم أي موقف ناقد لإسرائيل بمعاداة السامية. إذ يظل باب التساؤل مفتوحاً دائماً: لماذا لم تُدَنْ الحالة (أ) أو (ب) أو (ج) قبل توجيه النقد لإسرائيل؟ وهكذا تصبح هذه الحجة مطاطة إلى حد يجعل أي موقف معارض للسياسات الإسرائيلية عرضةً لهذا الاتهام.
د. يُعدّ أي تشبيه لأفعال إسرائيل بأفعال النازيين معاديًا للسامية. فعلى سبيل المثال، وُصفت مقولة المفكرة الأمريكية اليهودية ماشا غيسن —التي اعتبرت غزة غيتو كبير— بأنها معادية للسامية استنادًا إلى هذا التعريف. من الصعب فهم الأساس الذي يقوم عليه هذا الاتهام، لا سيما أن إسرائيل وممثليها يستخدمون هذه الصورة بشكل يومي في وصف الفلسطينيين. فضلاً عن أن الهولوكوست أصبح استعارةً تاريخية مألوفة في الخطاب السياسي العالمي، كما أن عدد القادة الذين جرت مقارنتهم بهتلر لا يُحصى. وعليه، فإن حظر استخدام مثل هذه التشبيهات فُرض في نهاية المطاف على الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل دون سواها.
بكلمات أخرى، لا يدور هذا التعريف فعليًا حول مكافحة معاداة السامية لذاتها، بل يتطفل بشكل فظّ على الخطاب السياسي المتعلق بفلسطين/إسرائيل، ويُحدث فيه انحيازًا لا يمكن وصفه إلا بأنه “استعماري”. فهو يتيح للغرب ولإسرائيل ضبط الخطاب السياسي الفلسطيني بشكل أحادي الجانب، إذ لا يوجد لدى الفلسطينيين وثيقةٌ مرجعية مماثلة، ذاتُ طابعٍ إلزامي ظاهري، تُحصّن الطريقةَ التي يُسمَح بالحديث بها عنهم. فعلى سبيل المثال، بينما يُعدّ تعريف IHRA إنكار حق اليهود في تقرير المصير معاداةً للسامية، لا يوجد مستند مرجعي يعتبر حرمان الفلسطينيين من هذا الحق موقفًا عنصريًا محظورًا. الأدهى أن هذا هو الموقف الرسمي الذي تتبناه إسرائيل تجاه الفلسطينيين، والذي يُنظر إليه في العالم على أنه موقف سياسي مشروع. بالإضافة، فإن تعريف IHRA، من الناحية العملية، يُسهم في تحويل الأنظار عن مظاهر معاداة السامية في أوساط اليمين المتطرف — التي تتخذ أحيانًا أشكالًا دموية — سواء أكانت متمثلة في سُلطات أم منظمات أم أفراد، ما دامت قد أبدت تأييدًا لإسرائيل.
نتيجة أخرى لاعتماد تعريف IHRA هي التمييز بين “اليهود الجيدين” و”اليهود السيئين”. فالفئة الأولى تشمل اليهود الذين يُبدون تأييداً مطلقاً لإسرائيل وللصهيونية، وهؤلاء يحظون بالحماية التي يوفرها التعريف. أما الفئة الأخرى، فتضم اليهود الذين يعبّرون — انطلاقًا من هويتهم اليهودية ذاتها — عن احتجاجهم على أفعال دولة إسرائيل، وأحيانًا على الصهيونية نفسها. لا يقتصر الأمر على أن التعريف لا يحمي هذه الفئة، بل يتعداه إلى وصمها في الواقع بمعاداة السامية. بذلك، يمنح هذا التعريف شرعية لاتخاذ إجراءات مؤسسية ضدهم، بل ويسهم أيضًا في تأجيج العداء تجاههم. بهذا المعنى، لا يعود التعريف يحمي اليهود، إنما يعرّضهم للخطر، ويفتح الباب أمام الدول والمنظمات للتدخل في نقاش داخلي يهودي حول معنى الهوية اليهودية في العصر الراهن.
شهد التوظيف الاستراتيجي لتهمة معاداة السامية، الذي بدأ في مطلع القرن الحادي والعشرين لكبح الانتقادات الموجّهة إلى إسرائيل ومنحها حصانة دولية، توسعًا متزايدًا في السنوات اللاحقة على يد إسرائيل والمنظمات اليهودية والدول الغربية وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. أتاح هذا التوظيف تعميق الاحتلال والقمع ونظام الفصل العنصري في الأراضي المحتلة (1967)، وكذلك داخل دولة إسرائيل نفسها (1948)، من دون أن تدفع أي ثمن دولي لذلك. بالتالي، أصبح استخدام تهمة معاداة السامية، في الواقع، ركيزة أساسية في منظومة الحصانة التي نسجتها إسرائيل حول جرائمها. غير أن هذه الآلية، خلال الإبادة الجماعية في غزة، أفضت إلى نتائج كارثية على نطاق غير مسبوق.
عقب مجزرة السابع من أكتوبر، شنت إسرائيل حربًا للإبادة والتهجير في قطاع غزة. وقد هيأت أحداث السابع من أكتوبر، إلى جانب سنوات الاستعمار والاحتلال التي سبقتها، قلوب الغالبية العظمى من اليهود في إسرائيل، فضلًا عن مؤسسات الدولة السياسية والقضائية وغيرها، لارتكاب إبادة جماعية دون أي رادع، وسط تجريد جذري للفلسطينيين من إنسانيتهم. لم يعمل المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته على الحد من الإبادة الجماعية أو ردعها، بل على العكس. إذ كان العامل الوحيد الذي كبح جماحهم هو الرهائن الذين ظلوا في قبضة حماس حتى “وقف إطلاق النار” في أكتوبر/تشرين الأول 2025. على الصعيد الخارجي أيضًا، حظيت إسرائيل بحصانة كاملة. فقد حصلت على دعم عسكري ودولي من الولايات المتحدة، ألمانيا، بريطانيا، ومن العديد من الدول الغربية، إلى جانب بعض الدول العربية (خاصة دول الخليج) ودول الجنوب العالمي (في مقدمتها الهند، التي تحولت في ظل حكومة ‘ناريندرا مودي’ القومية الهندوسية إلى حليف رئيسي لليمين العالمي). بناءً على ذلك، لم يبقَ سوى عاملين معارضين قادرين على حماية الفلسطينيين، وكبح إسرائيل، والمطالبة بمساءلتها عن جرائمها، ألا وهما: الرأي العام الدولي والمنظومة القضائية الدولية.
في الأيام الأولى التي أعقبت مجزرة السابع من أكتوبر، اتجهت بوصلةُ الرأي العام الدولي لصالح إسرائيل. إلا أن ردّ إسرائيل الدموي (الذي أسفر خلال الشهر الأول فقط عن مقتل أكثر من عشرة آلاف فلسطيني وإصابة نحو ثلاثين ألفًا)، إلى جانب خطاب الإبادة الذي هيمن على تصريحات القيادة الإسرائيلية، سرعان ما كشف الوجهة التي كانت إسرائيل ماضية إليها. ففي 13 أكتوبر/تشرين الأول، كتب المؤرخ راز سيغال أن أفعال إسرائيل في غزة تمثل حالة نموذجية للإبادة الجماعية. بالتوازي مع ذلك، تزايدت الاحتجاجات والمظاهرات التي بدأت منذ الأسابيع الأولى للحرب واتسع نطاقها لتضم ملايين الأشخاص حول العالم. في 29 ديسمبر/كانون الأول 2023، رفعت جنوب أفريقيا دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية. ثم في 26 يناير/كانون الثاني 2024، قضت المحكمة، بأغلبية كبيرة، بوجود احتمال بأن تكون إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، وأقرت ثلاثة تدابير مؤقتة لردعها. بحلول مارس/آذار 2024، نشرت المقرِّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، فرانشيسكا ألبانيزي، تقريرًا يعزز أكثر فأكثر ادعاء وقوع إبادة جماعية.
منذ ذلك الحين، أصبحت ألبانيزي أحد أبرز الأصوات العالمية المناهضة للإبادة الجماعية. تساوقًا ذلك، أخذت موجة الانتقادات والاحتجاجات بالتصاعد، وانضمت إليها شخصيات ذات نفوذ كبير. ففي أبريل/نيسان 2024، أُقيم مخيم اعتصام طلابي في جامعة كولومبيا في نيويورك، ليشكّل نموذجًا لاحتجاجات طلابية مماثلة في أكثر من 150 جامعة في الولايات المتحدة الأمريكية وحول العالم. سرعان ما تحولت هذه الاعتصامات إلى حركة احتجاجية واسعة النطاق فرضت نفسها على المشهد العام. في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، توّج هذا المسار بإصدار المحكمة الجنائية الدولية (ICC) مذكرات اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت (وكذلك بحق ثلاثة من قادة حماس الذين كانت إسرائيل قد اغتالتهم حتى ذلك الحين). بدا أن هذين العاملين – المنظومة القضائية الدولية والاحتجاج الدولي – أخذا يغيّران قواعد اللعبة ويحدثان تصدعات في الحصانة المطلقة التي حظيت بها دولة إسرائيل خلال حرب القتل والتهجير والإبادة في غزة.
أدركت إسرائيل وحليفاتها – في طليعتها الإدارة الأمريكية – الخطر الذي شكّله هذان العاملان، وشنّت عليهما حملة شرسة. استُخدمت في هذه الحملة تهمتان رئيسيتان: “دعم الإرهاب” و”معاداة السامية”. بناء على ذلك، وُجّهت إلى قضاة محكمة العدل الدولية، والمقررة ألبانيزي، والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، وإلى المحكمة ذاتها اتهامات بمعاداة السامية وبنشر “افتراءات الدم” ضد الدولة اليهودية. بل إن الولايات المتحدة فرضت عقوبات شديدة على معظم هذه الأطراف.
في سعيهم إلى سحق حركة الاحتجاج الهائلة التي تركزت أساسًا في الجامعات الأمريكية، استخدم مؤيدو إسرائيل داخل الجامعات وخارجها أيضا وسمَ “معاداة السامية” كأداة لشلّ هذه الحركة. تنبغي الإشارة إلى أن بعض الاحتجاجات شهدت بالفعل مظاهر من معاداة السامية، إلا أن المنظمين أنفسهم أدانوا هذه المظاهر وتصدّوا لها في حالات كثيرة. كما كانت هذه المظاهر محدودة للغاية مقارنةً بحركة احتجاجية حرصت، في غالبيتها الساحقة، على الفصل الواضح بين النقد الحاد لدولة إسرائيل والصهيونية من جهة، والنقد الموجّه إلى اليهود بوصفهم يهودًا من جهة أخرى. علاوة على ذلك، كان الطلاب وأعضاء هيئة التدريس اليهود من أبرز المشاركين في حركة الاحتجاج هذه، فضلًا عن منظمات يهودية كبرى مثل JVP وIfNotNow (“إذا لم يكن الآن”). ولم يكن مفاجئًا أن هذه المنظمات أيضًا لم تسلم من اتهامها بـ”معاداة السامية الذاتية”، أو من وصف القائمين عليها بأنهم “يهود سيئون”.
رأت إدارة ترامب، التي خلفت إدارة بايدن في فبراير/شباط 2025، في هذا الوضع فرصة للنيل من منظومة التعليم العالي في الولايات المتحدة، بوصفها منظومة تُنتج معرفة نقدية. فاستخدمت إدارته تهمة “معاداة السامية” على نطاق واسع من أجل تفكيك حركة الاحتجاج وتقييد الحرية الأكاديمية في الجامعات. إذ حَرَمَت الجامعات من مئات الملايين من الدولارات من ميزانياتها الفيدرالية، وربطت إعادة هذه الميزانيات بمكافحة حازمة لـ”معاداة السامية” بما يتوافق مع تعريف IHRA. لتحقيق ذلك، وظفت إدارة ترامب الباب السادس من قانون الحقوق المدنية لعام 1964، الذي يتيح حرمان المؤسسات التعليمية من التمويل إذا وقع فيها تمييز على أساس العرق أو لون البشرة أو الأصل القومي.
منذ ولايتها الأولى، عرّفت إدارة ترامب اليهود بوصفهم جماعة قومية (لا مجرد طائفة دينية، خلافًا لرغبة قطاع كبير من يهود الولايات المتحدة)، مما جعلهم تحت مظلة حماية القانون. بهذه الطريقة أصبح التمييز ضد اليهود، أي معاداة السامية، من الأفعال التي قد تستوجب عقوبات قانونية. أما الآن، فقد أقرّ الكونغرس صراحةً اعتماد تعريف IHRA معيارًا لتحديد الأفعال أو الأقوال المعادية للسامية التي ينطبق عليها القانون. على هذا النحو، استُخدم قانون الحقوق المدنية لعام 1964، في مفارقة صارخة، لسلب أبسط الحقوق المدنية الأساسية، أي حق الاحتجاج وحرية التعبير. بصورة غير مباشرة، أسهم هذا القانون كذلك في تسهيل ارتكاب الإبادة الجماعية، التي تُشكّل التعبير الأقصى عن سلب حقوق الإنسان والمواطن.
بالتوازي، طالبت إدارة ترامب الجامعات باعتماد تعريف IHRA لمعاداة السامية بوصفه مدونةً تأديبية داخلية. وبذلك ألحقت ضررًا بالغًا بالحرية الأكاديمية. فعلى سبيل المثال، رفض اثنان من أبرز الباحثين في جامعة كولومبيا التدريس في العام الدراسي الذي انتهى مؤخرًا (2025—2026): المؤرخ رشيد خالدي، وباحثة الثقافة ماريان هيرش (وهي باحثة في شؤون الهولوكوست وابنة ناجين من الهولوكوست)، إذ أكدا أن تعريف IHRA، الذي اعتمدته الجامعة، لا يتيح لهما التدريس على نحو ملائم في موضوعات تخصصهما، وأنهما خشيا أنه في حال قاما بالتدريس على النحو الملائم، ستُقدَّم بحقهما شكوى تأديبية. اتُّخذت خطوات مماثلة أيضًا في العديد من دول الشمال العالمي الأخرى، ولا سيما ألمانيا وبريطانيا، وكذلك في بعض دول أمريكا الجنوبية، مثل الأرجنتين. بالتالي، تحوّل النضال التحرري والضروري ضد معاداة السامية، إلى نضال مناهض للتحرر يُستخدم لقمع الشعب الفلسطيني.
في الختام، لا بد من الإشارة إلى أنه في مقابل هذه التيارات، تشكّلت خلال العقد الأخير جبهة آخذة في التنامي تضم يهودًا (إسرائيليين وغير إسرائيليين)، وفلسطينيين وآخرين، ترفض هذا الاستخدام الانتهازي لـ”مكافحة معاداة السامية”. تقرّ هذه الجبهة بأن معاداة السامية موجودة بالفعل، بل وبأنها ازدادت في العديد من الأماكن منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. كما تقرّ بأن بعض المواقف المناهضة لإسرائيل تتغذى أحيانًا من دوافع معادية للسامية أو من استخدام صور نمطية معادية للسامية. إلا أن هذه الجبهة غير الرسمية تبذل جهدًا للتمييز، من حيث المبدأ، بين انتقاد إسرائيل والصهيونية من جهة، ومعاداة السامية من جهة أخرى. إذ أنها ترى في مكافحة معاداة السامية نضالًا تحرريًا يرتبط بنضالات تحررية أخرى (بما في ذلك النضال من أجل تحرير الشعب الفلسطيني)، كما ترى في الحوار والتثقيف والتضامن وسائل محورية للنضال.
انطلاقًا من هذا التوجه، صيغت تعريفات أخرى لمفهوم معاداة السامية تختلف اختلافًا جذريًا عن تعريف IHRA، من بينها “إعلان القدس بشأن معاداة السامية“، الذي وقّع عليه حتى الآن أكثر من أربعمائة أكاديمي يعملون في مجالات ذات صلة. فعلى خلاف تعريف IHRA، يعبّر إعلان القدس عن التوافق الواسع في مؤسسات التعليم العالي حول العالم على الفصل المبدئي بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل والصهيونية. مثال آخر على ذلك هو “إعلان نيوجيرسي” بشأن معاداة السامية والإسلاموفوبيا، الذي يدعو إلى التضامن بين المجتمعات في التصدي لهاتين الظاهرتين. تحقق هذه الحراكات من حين إلى آخر بعض المكاسب السياسية أيضًا. على سبيل المثال، انسحبت البرازيل من عضويتها بصفة مراقب في منظمة IHRA، كما ألغى رئيس بلدية نيويورك الجديد زهران ممداني، في يومه الأول في منصبه، اعتماد المدينة لتعريف IHRA. لكن رغم تنامي هذه الجبهة، لا تزال الاتجاهات المعاكسة التي تدفع بها دول ومنظمات تتمتع بنفوذ كبير وتحظى بدعم النخب السياسية والإعلامية والاقتصادية في أنحاء العالم، أقوى منها بعشرات المرات.
عاموس غولدبرغ باحث متخصص في دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية في الجامعة العبرية في القدس. وقد صدر كتابه الأخير، “وستتذكر: خمس قراءات نقدية للذاكرة الإسرائيلية للهولوكوست”، عن دار نشر “ريسلينغ” خلال الحرب على غزة.