تخطى إلى المحتوى
“ظهر فجأة، وكان يبدو مخدرًا تمامًا. اعتقدت أنه بحاجة إلى مساعدة وبعض التوجيهات، لكنه قال إنه كان في المنزل عندما سقطت قنبلة عليهم، وكانت ابنته في الحمام، فعاد ليجد بقاياها، ولم يجد سوى رأسها وأجزاء من ذراعها وساقها، فوضعها في كيس من الخيش، وأحضرها إلى المستشفى لدفنها، وكان يبحث فقط عن توجيهات إلى المشرحة. كنت مرعوبًا. صُدمت مما رأيت، لكن بالنسبة للسكان المحليين، موقفهم كان - هذه هي غزة. هذا ما نراه كل يوم. هذا في الحقيقة ليس أمراً جللاً، وبالنسبة لي، فإن حقيقة أن هذه الأنواع من المشاهد أصبحت طبيعية... لا أعتقد أن فيلماً من أفلام الرعب يمكنه أن يجسد في خيال سينمائي مدى بشاعة هذه المشاهد، ومدى التوائها وإثارتها للاضطراب أكثر مما هي عليه. ”
الدكتور سامر عطار, جراح عظام. : نيسان ٢٠٢٥

المحاورة (كريستيان أمانبور): دكتور عطار، أهلاً بك مرة أخرى في البرنامج. شكرًا لك. يجب أن يُقال إنه لا راحة للمتعبين، لأنك عدت للتو من كل ذلك العمل الشاق في غزة، وبدأت العمل فورًا في المستشفى. أعتقد أنك تنضم إلينا في استراحة الغداء.

د. عطار: نعم، لكن كل شيء على ما يرام. حصلت على يوم راحة، أكلت كثيرًا، ونمت كثيرًا، وقضيت بعض الوقت في الخارج، وأعدت ضبط نفسي من جديد.

المحاورة: حسنًا. هذه لم تكن رحلتك الأولى إلى غزة، وقد تحدثنا سابقًا عما واجهته. أخبرني من فضلك، لأنه مر شهران من الحصار الكامل والقصف المستمر، ونحن نسمع الكثير من التقارير، والمراسلون الدوليون لا يستطيعون الدخول. كيف يبدو الأمر بالنسبة لك وأنت تحاول علاج المدنيين؟

د. عطار: نعم، كانت هذه المرة السادسة لي، ويزداد الوضع سوءًا في كل مرة. ولا أعرف من أين أبدأ. في ليلتي الأولى، كان هناك قصف قُتل فيه 60 مدنيًا، وأصيب نحو 200 آخرين، وكان قسم الطوارئ مكتظًا بالمرضى. كان هناك مرضى على الأرض. كان هناك طفل يبلغ من العمر ثماني سنوات يلهث والدماء تغطيه، والرغوة تخرج من أنفه وفمه، وبجانبه كانت طفلة تبلغ من العمر ست سنوات. كان رأسها مفتوحًا ودماغها مكشوفًا وأمعاؤها تتدلى من بطنها. هذه هي مثال لحالة ما يُطلقون عليها الحالات اليائسة. في هذه الحالات يوضعون الضحايا على الأرض، وكل ما أستطيع فعله هو أن أخبر أفراد عائلاتهم بأن يمسكوا بأيديهم، لأنهم لن ينجوا. سيموتون. ولكن عندما يكون لديك 50 شخصًا آخرين يتم تقييمهم وفرزهم، عليك أن تحدد الأولويات الطبية وتستمر. والأطباء المحليون الذين عملت معهم، بالنسبة لهم، هكذا كانت حياتهم طوال الثمانية عشر شهرًا الماضية، وهم بارعون حقًا في ذلك؛ إنهم يعرفون حقًا كيف ينقذون الأرواح. لكن العذاب النفسي لمجرد المشاهدة، أتذكر طفلة في العاشرة من عمرها، كانت ساقها معلقة بخيوط رفيعة، وخضعت لعملية بتر لساقها. لذا، فالأمر لا يصبح سهلاً أبدًا.
المحاورة: لا، لا. أنا متأكدة أنه لا يصبح أسهل أبدًا. لقد رأينا الصور التي ترسلها، وسنعرض واحدة أخرى الآن. لأنني أتساءل عما إذا كنت تلاحظ أنواعًا مختلفة من الإصابات، حيث يأتي إليك الناس محاولين.. أعني، عمليًا مع أجزاء مختلفة من أفراد عائلاتهم الذين تعرضوا للتفجير. لدينا صورة، سأطلب منك شرحها. إنها لرجل يحمل بقايا جزئية لابنته في كيس، ولدينا الصوت وهو يصف ما حدث، ثم سنتحدث معك عنها.

صوت المترجم في الفيديو: بالأمس، كنا نخبز، وكان الأطفال حولي، بجانب الحمام. سقط صاروخان على المبنى المجاور. اليوم، ذهبت لأبحث ووجدتها تحت الأنقاض، مشوهة وممزقة إلى أشلاء. الكلاب نهشتها. وجدت الرأس واليد والقدم. رحمها الله.

المحاورة: دكتور عطار، أنا فقط… أعني، كيف كان رد فعلك؟ كلقد كان… لقد كان… كما تعلم، لقد جاء إليك، ومن المذهل جسدياً حقاً رؤية أب يحمل كيس مساعدات مُهمل مليء بأشلاء طفلته.

د. عطار: نعم، كانت ليلة صعبة. في الليلة السابقة، قُتل حوالي 30 شخصًا، وأصيب نحو 100 آخرين، وقالوا إن هناك الكثير غيرهم لا يزالون مدفونين تحت الأنقاض، وقد عملنا لمدة ٢٤ ساعة متواصلة، وحدث ذلك أكثر من مرة، وتكاد لا تقوى على الوقوف.. ولكن كان ذلك في الصباح، وكنا نأمل فقط أن تكون الأمور هادئة، وكانت هادئة، لكنه ظهر فجأة، وكان يبدو مخدرًا تمامًا. اعتقدت أنه بحاجة إلى مساعدة وبعض التوجيهات، لكنه قال إنه كان في المنزل عندما سقطت قنبلة عليهم، وكانت ابنته في الحمام، فعاد ليجد بقاياها، ولم يجد سوى رأسها وأجزاء من ذراعها وساقها، فوضعها في كيس من الخيش، وأحضرها إلى المستشفى لدفنها، وكان يبحث فقط عن توجيهات إلى المشرحة. كنت مرعوبًا. صُدمت مما رأيت، لكن بالنسبة للسكان المحليين، موقفهم كان – هذه هي غزة. هذا ما نراه كل يوم. هذا في الحقيقة ليس أمراً جللاً، وبالنسبة لي، فإن حقيقة أن هذه الأنواع من المشاهد أصبحت طبيعية… لا أعتقد أن فيلماً من أفلام الرعب يمكنه أن يجسد في خيال سينمائي مدى بشاعة هذه المشاهد، ومدى التوائها وإثارتها للاضطراب أكثر مما هي عليه.
المحاورة: تعرف، بالطبع، أن الإسرائيليون يواصلون الإصرار على أنهم يبحثون فقط عن حماس. والآن نسمع من تقرير الواشنطن بوست أنهم يقولون إن إسرائيل تغير بشكل جذري خريطة غزة، حيث تعلن عن 70٪ من القطاع إما منطقة عسكرية أو تحت أوامر الإخلاء، مما يدفع مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى منطقة تتقلص باستمرار. هل تمكنت من رؤية أي من ذلك،وكيف أثر ذلك، كما تعلم، على الظروف التي يعيشها الناس؟

د. عطار: نعم، ترى الناس يعيشون في الخيام، وترى الناس يعيشون وسط أنقاض منازلهم، وقد نزحوا ست أو سبع أو ثماني مرات، والكثير منهم يعيشون بما تحمله الحقائب فقط. لديهم القليل جدًا، لا يوجد الكثير من الطعام، ولا الكثير من الماء، كل يوم هو صراع من أجل الحصول على الطعام والماء. المستشفيات هي هذه الواحات الصغيرة، تقريباً مثل، أظن أنه يمكنك تسميتها قصوراً في وسط أرض خراب مروعة من الغبار والأنقاض، لأنها تعمل أحيانًا على المولدات، لكن حتى هذه المولدات تنفد إمداداتها.

المحاورة: وماذا عن يوم في حياة المستشفى الذي كنت فيه، مستشفى الأهلي، الذي تعرض للقصف في منتصف أبريل، وتقول تقارير ممتنوعة إنه كان آخر مستشفى يعمل بكامل طاقته. فقط أخبرني، كما تعلم، عما كان عليك فعله بعد ذلك القصف، وما هو حجم المساعدات والرعاية الطبية التي لا تزال موجودة في غزة؟

د. عطار: حسنًا، كان مستشفى الأهلي في ذلك الوقت هو مستشفى الصدمات الرئيسي لمدينة غزة، لذا كان ذلك مقر عملي. كنت أعمل مع جراحين محليين. كان ذلك هو المستشفى الذي ينقذ الأرواح. إذا أصبت، فسيتم نقلك إلى “الأهلي” إلى أطباء الطوارئ هناك، فكانوا يعرفون كيف يقومون بالإجراءات المنقذة للحياة، ثم كان يجب نقل المرضى إلى غرفة العمليات بسرعة، وكانوا يعرفون من لن يتمكن من النجاة. لكن في الليلة التي كنت فيها هناك، استيقظت على صراخ أحد الممرضين يطلب مني الهرولة، ولم أكن أعرف حقًا ما يحدث.انت هناك معلومات مضللة بأن الجيش كان يجتاح، وأنهم سيقصفون المستشفى، لكن عندما نزلت إلى الطابق السفلي، كان هناك حوالي 40 إلى 50 مريضًا، الكثير منهم أطفال صغار، يعانون من بتر الأطراف وكسور العظام، وكانوا مع عائلاتهم، لذا كان هناك حوالي 100 شخص تبقو في المبنى. وهكذا، قررت أنا ومجموعة صغيرة من الممرضين -لم نكن نعرف حقاً ما الذي يحدث- لكننا قررنا فقط أننا سنبقى معهم، لأنه إذا تعرض المستشفى للقصف، فقد قررنا أن نموت مع مرضانا ونحن نعتني بهم، لا أن نهرب منهم. ثم تعرض المستشفى للضرب بالفعل، وانهارت أجزاء من السقف فوقنا. ظننا جميعاً أننا سندفن أحياء في المبنى، لكن كل ما شعرنا به كانت الارتدادات والموجات الصدمية من المبنى الذي تعرض للقصف بجانبنا. وعندما حدث ذلك، انقطعنا لمدة سبع ساعات تقريباً، نحاول معرفة ما يجري، ثم عندما جاء الصباح، وحل ضوء النهار، رأينا الموظفين يتوافدون عائدين إلى المستشفى، وكان المستشفى خارج الخدمة بمعنى أننا لم نعد قادرين على رعاية أي مصاب، لذا كانوا يحضرون المصابين من الشوارع، ولكن بما أنه لم يكن لدينا غرفة طوارئ، ولا قسم طوارئ، فإن الأشخاص الذين كان من الممكن إنقاذهم تم وضعهم في سيارات الإسعاف ونقلهم إلى مستشفى آخر يبعد حوالي ميلين إلى ثلاثة أميال. وحتى الآن، لا يزال مستشفى الأهلي يحاول جمع شتاته، وكل ما يفعله هو مجرد رعاية المرضى الموجودين حالياً هناك، ولكن المستشفى ليس لديه القدرة على رعاية المصابين بإصابات حادة.

المحاورة: نعم، ولدينا بالفعل صور لك هناك، تعرف، تقوم بحفر مسمار في ذراع رجل، وهناك صورة لك تضع أنبوب صدري لطفل. أنت تقول، بالطبع، أن هذا ليس من اختصاص جراح العظام، وهو تخصصك، ولكن في غزة، كل شيء ممكن. وأتساءل أيضًا، يقولون إنه لا تدخل أدوية، ولا طعام، ولا ماء. ما هي الظروف الفعلية في وقت تقول فيه وكالات الإغاثة الدولية والوكالات التابعة للأمم المتحدة إن كل شيء لديهم قد نفد؟

د. عطار: نعم، إنهم يوزعون الإمدادات بشكل مقنن، وهي على وشك النفاد. لذا, في ذلك الفيديو الذي أضع فيه المسمار، نعم، أنا لا أرتدي ثوباً جراحياً، ولا توجد أغطية جراحية معقمة، كنت أرتدي القفازات فقط، وأقوم بحفر مسمار في عظم رجل، وهذا ليس وضعاً مثالياً، لكن تلك المواد تنفد لديهم، وعليهم الحفاظ عليها للحالات التي يعتقدون أنهم سيحتاجونها فيها فعلياً. وهم قلقون من أن يصلوا إلى نقطة الصفر ولن يتبقى لديهم أي شيء منها. ومن وجهة نظرنا، كطبيب، كطبيب أمريكي، نحن لسنا الأبطال الرئيسيين، بل مجرد ممثلين مساعدين، ونحن هنا فقط لمساعدة ومساندة المحليين. لكن المحليين يقولون ببساطة إن ما لديهم غير كافٍ، وهم يعملون بآخر ما لديهم من طاقة وقدرة، ويستخدمون القليل من الذي يملكونه. لكن ليس من المثالي، على سبيل المثال، إجراء جراحة عظام دون أثواب جراحية ودون أغطية معقمة. ليس من المثالي أبدًا أن يقوم جراح عظام بوضع أنبوب صدر لطفل، ولكن عندما يكون لديك 50 شخصًا، وتحاول مساعدة أكبر عدد ممكن، فإن الجميع يشاركون بما يستطيعون أينما يمكنهم ذلك.

المحاورة: أتساءل، بعد كل هذه الرحلات، ما هو الثمن العاطفي الذي تدفعه، وما إذا كنت تعود وتحمل هذه القصص وصورك إلى ممثليتك المنتخبين، أعني أعضاء الكونغرس وأعضاء مجلس الشيوخ، ولا أعرف ما هو نوع الرد الذي تتلقاه، أو حتى من للسلطات الإسرائيلية في طريق خروجك من غزة.

د. عطار: كل ما أستطيع فعله هو أن أتحدث عما أراه. فالعالم صغير جدًا، ولا أحد منا يقف وحده. هناك الكثير من الناس والكثير من الألم. وإذا كان كل ما يمكنني فعله هو أن أحضر وأكون طبيبًا، وأن أشهد على المعاناة، ثم أخبر الناس بما أراه، وإذا كان ذلك يضع لبنة صغيرة في أساسٍ للسلام والشفاء، فبالنسبة لي هذا يستحق العناء. هذا هو كل ما يمكنني قوله تقريباً؛ ما أشهد عليه.

المحاورة: هل تنوي العودة؟

د. عطار: آمل ذلك. آمل ذلك، كما قلت، إذا أُتيحت الفرصة والامتياز للمساعدة وإحداث فرق، فأعتقد أن أي شخص سيفعل ذلك.

المحاورة: حسنًا، ربما ليس أي شخص، لكن هناك الكثير من الأطباء والعاملين في المجال الإنساني المتفانين والمخلصين بشكل استثنائي مثلك، والحمد لله على ذلك. دكتور عطار، شكرًا جزيلًا لك على انضمامك إلينا من مكان عملك في المستشفى في شيكاغو، حيث أظن أنك ستعود إلى نوبة عملك مرة أخرى في أي لحظة الآن.

د. عطار: نعم، أنا اعمل في مستشفى “نورث وسترن” هنا وسأعود إلى العيادة. حسنًا، شكرًا لك على إتاحة الوقت.