تخطى إلى المحتوى

في لبنان، تهدم إسرائيل أيضًا بيوت من كانوا حلفاءها لعقود

آشر كاوفمان

تقوم العقيدة الأمنية الجديدة لدولة إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول عام ٢٠٢٣، والتي تحظى بدعم لدى قطاعات واسعة من الجمهور اليهودي، على أنّ الطريقة الوحيدة لمواجهة التحديات الأمنية القادمة من غزة أو لبنان هي السيطرة على الأرض، وتهجير السكان، وتدمير منازلهم. وبما أن إسرائيل لم تدفع حتى الآن ثمنًا حقيقيًا لسياسة التدمير التي تنتهجها في غزة – حتى وإن أصبحت دولة منبوذة في أوساط كثيرة حول العالم – فلماذا لا تطبّق هذه السياسة أيضًا في لبنان؟ منذ الثاني من آذار، ومع بدء المواجهة الحالية بين حزب الله وإسرائيل، دعا الناطق باسم الجيش الإسرائيلي سكان جنوب الليطاني إلى إخلاء منازلهم، ونتيجة لذلك نزح أكثر من مليون مدني إلى الشمال، وأصبحت نحو ٥٥ بلدة ضمن منطقة الدمار التي حددتها إسرائيل، فيما دُمّرت آلاف المباني وقُتل أكثر من ٣٠٠٠ شخص.

“نموذج غزة في لبنان” – هكذا يصف مسؤولون إسرائيليون كبار سياسة إسرائيل تجاه جارتها الشمالية. سياسة ربما كانت في الماضي خيالية، أو على الأقل يتم إنكارها أو إخفاؤها، لكنها تُعرض اليوم بفخر من قبل قادة الدولة وتتردد أصداؤها في الإعلام الإسرائيلي. فبحسب هذا المنطق، ما “نجح” في غزة يمكن أن “ينجح” أيضًا في لبنان. يقوم هذا النموذج على رسم “خط أصفر” عميق داخل الأراضي اللبنانية. وضمن حدود هذا الخط تقوم إسرائيل بتهجير السكان المدنيين، وتدمير قرى كاملة استخدمها حزب الله كقواعد لنشاطه، بهدف تحويلها إلى أماكن غير صالحة للحياة والسكن.

كما في غزة، تُستكمل العمليات العسكرية بأعمال هدم ينفذها مقاولون مدنيون مقابل أجر، بعضهم يتقاضى أجرًا يوميًا وآخرون حسب عدد البيوت التي يهدمونها. أصبح أڤراهام زرْبيڤ، الذي اختير لإشعال شعلة في يوم الاستقلال الإسرائيلي تقديرًا لعمله في “زربڤة” البيوت، أي هدمها في غزة، يحظى بمكانة مماثلة في لبنان. وبينما كان يرافقه مؤيدوه على الجرافات وآليات الهدم نحو الشمال، سارع أنصار الحكومة على شبكات التواصل إلى الهتاف: “هيا… لِنُزرْبِڤ جنوب لبنان”. بدأت عمليًا حملة تدمير القرى الحدودية قبل أكثر من عام، ووُصفت بأنها “أكبر عملية هندسية شهدها الجيش الإسرائيلي”.

حفارة عسكرية إسرائيلية تقوم بأعمال “كشف” بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية. مارس ٢٠٢٥. الصورة: وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي

إن عشرات القرى التي تدمرها إسرائيل اليوم وسكانها يعيشون في قلب الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني منذ ما يقرب من ستين عامًا. فمنذ عام ١٩٦٨ وحتى عام ١٩٨٢ استخدمت التنظيمات الفلسطينية لبنان قاعدة لعملياتها ضد إسرائيل ضمن الكفاح المسلح الفلسطيني. وكان الرد الإسرائيلي آنذاك، كما اليوم، عسكريًا وقاسيًا: عمليات عسكرية عميقة داخل لبنان، وغارات جوية، واجتياحات برية.كان الهدف المعلن لهذه العمليات إبعاد التنظيمات الفلسطينية المسلحة عن لبنان. كما تضمنت ممارسة ضغط على الحكومة اللبنانية من خلال دفع سكان الجنوب إلى مغادرة بيوتهم، بما في ذلك القرى التي تستهدفها إسرائيل اليوم. وقد أملت إسرائيل أن يؤدي الضغط الإنساني والأزمة الإنسانية إلى دفع الحكومة في بيروت للتعامل نهائيًا مع “المشكلة الفلسطينية” داخل لبنان.

لكن ما حدث كان العكس تمامًا. فلبنان المتعدد الطوائف، الذي تأسس منذ استقلاله عام ١٩٤٣ كدولة ضعيفة ذات مؤسسات هشة، بما في ذلك الجيش اللبناني، لم يكن قادرًا على مواجهة التنظيمات الفلسطينية، حتى لو أراد ذلك. وكانت النتيجة إضعاف الدولة حتى انهيارها مع اندلاع الحرب الأهلية عام ١٩٧٥.

عملية الليطاني في آذار سنة ١٩٧٨، التي جرت تحديدًا في المنطقة التي تحتلها إسرائيل اليوم، هدفت إلى إبعاد التهديد الفلسطيني شمال النهر. وفشل العملية أدى إلى حرب لبنان الأولى في حزيران عام ١٩٨٢. شملت أهداف الحرب الطموحة ليس فقط القضاء على قوة منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت مظلة للفصائل الفلسطينية المسلحة في لبنان؛ بل أيضًا فرض نظام سياسي جديد في الشرق الأوسط: إقامة حكومة لبنانية توقع اتفاق سلام مع إسرائيل، وانسحاب الجيش السوري من لبنان. كان أمل قادة الحرب – مناحيم بيغن، أريئيل شارون، ورفائيل إيتان – أن تقوم الحكومة اللبنانية الموالية لإسرائيل، بقيادة الرئيس المنتخب بشير الجميّل، بطرد مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين من لبنان إلى الأردن بدعم إسرائيلي. وهكذا، ومن خلال “تأثير الدومينو”، تتجه الحركة الوطنية الفلسطينية نحو الأردن، وتسقط النظام الهاشمي، بينما تتمكن إسرائيل من استكمال سيطرتها على الأراضي التي احتلتها عام ١٩٦٧ وضمها.

فشل هذه الخطة الكبرى نقل مركز الثقل للنضال الفلسطيني من لبنان إلى الأراضي المحتلة. وفي الوقت نفسه، أدى إلى بقاء إسرائيل في لبنان مدة ١٨ عامًا حتى أيار عام ٢٠٠٠، وإقامة “الشريط الأمني” في الجنوب بالاعتماد على ميليشيا محلية عُرفت باسم “جيش لبنان الجنوبي” (جيش لحد). تعود جذور هذه الميليشيا إلى عام ١٩٧٦ عندما ساعدت إسرائيل ثلاث مناطق مسيحية في الجنوب على الدفاع عن نفسها ضد الميليشيات الفلسطينية وغيرها خلال الحرب الأهلية اللبنانية. وهكذا تأسس “جيش لبنان الحر” بقيادة سعد حداد، وكان معظم جنوده من القرى المسيحية الجنوبية مثل مرجعيون، دبل، عين إبل، رميش، القليعة، وعلما الشعب. أما سياسة “السياج الجيد”، التي هدفت إلى تعميق هذا التحالف عبر تقديم مساعدات إنسانية لسكان الجنوب ومنح تصاريح عمل داخل إسرائيل، فقد أبرزت قوة إسرائيل الناعمة وساعدت في تقديم صورة إيجابية عنها لدى كثير من سكان الجنوب اللبناني.

File:Three South Lebanese Phalangists were shot dead last week by the Arab guerilla (FL50355137).jpg

سعد حداد، قائد جيش لبنان الحر، في مؤتمر صحفي في نوفمبر ١٩٨١. الصورة: يوسي إلماكيس/مجموعة دان هداني/المكتبة الوطنية الإسرائيلية/مجموعة عائلة بريتزكر للتصوير الفوتوغرافي الوطني، CC BY 4.0، https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=142358043

في عام ١٩٨٤ تغير اسم “جيش لبنان الحر” إلى “جيش لبنان الجنوبي”، كما تغير دوره ليصبح مرتبطًا أساسًا بالاحتياجات الأمنية الإسرائيلية. فلم يعد مجرد ميليشيا محلية تدعمها إسرائيل لحماية قراها، بل أصبح قوة عسكرية هدفها الأساسي تشكيل حزام دفاعي لإسرائيل ضمن الشريط الأمني. لتحقيق ذلك، توسعت مناطق سيطرة جيش لحد من ساحل البحر غربًا حتى جبل الشيخ شرقًا، كما توسعت دوائر التجنيد فيه. وبعد انسحاب معظم قوات الجيش الإسرائيلي من لبنان في حزيران عام ١٩٨٥ وتثبيت الشريط الأمني، تغير التركيب البشري لجيش لحد بشكل جوهري. فأصبحت غالبية جنوده من الشيعة والسّنّة والدّروز، بينما تحول المسيحيون إلى أقلية ضمنه.

وبما أن الجنود كانوا يخدمون قرب قراهم، فقد عكس التكوين البشري لجيش لحد الواقع الديمغرافي لجنوب لبنان. فعلى سبيل المثال، كان اللواء ٧٠ في الجبهة الغربية يتكوّن من جنود شيعة قدموا من بنت جبيل، العديسة، حولا، مركبا، الطيبة وغيرها من القرى الشيعية. وفرت الخدمة في جيش لحد رواتب مرتفعة نسبيًا مقارنة بالسوق اللبناني؛ بالإضافة إلى إمكانية العمل داخل إسرائيل لعائلات الجنود. وهكذا، ومنذ أوائل الثمانينيات وحتى عام ٢٠٠٠، كان يعبر الحدود يوميًا نحو ٣٠٠٠ لبناني – شيعة ودروز وسنة ومسيحيون – للعمل داخل إسرائيل.

وفي الواقع، فإن بعض سكان القرى التي تدمرها إسرائيل اليوم كانوا حتى انسحابها عام ٢٠٠٠ شريك في مشروع الشريط الأمني؛ بعضهم خدم في جيش لحد، وآخرون عاشوا من العمل داخل إسرائيل. إن الدمار الذي تزرعه إسرائيل اليوم في جنوب لبنان يستهدف أساسًا القرى الشيعية التي أصبحت منذ عام ٢٠٠٠ قواعد أمامية لحزب الله في صراعه مع إسرائيل. أما غالبية القرى غير الشيعية فليست هدفًا مباشرًا للتدمير، رغم أن بعضها تضرر بفعل العمليات العسكرية. وقد أثار استهداف القرية المارونية دبل، بما في ذلك تحطيم صليب وتمثال للمسيح، اهتمامًا واسعًا في إسرائيل والعالم، بينما غالبًا ما يتم تجاهل استهداف المواقع الدينية الإسلامية، حتى تلك المصنفة كمواقع تراث عالمي، في الإعلام الإسرائيلي. كانت دبل من أكثر القرى ارتباطًا بإسرائيل منذ عام ١٩٧٦. وما يحدث فيها اليوم يدل على أن حالة التبلد التي سمحت بالدمار في غزة، وتسمح اليوم بما يجري في جنوب لبنان، تترافق أيضًا مع تجاهل أو محو للتاريخ الإسرائيلي نفسه في لبنان.

صورة جوية لمقام شمعون الصفا عام ٢٠١٨. تعرّض المقام لأضرار بالغة جراء الغزو الإسرائيلي للبنان عام ٢٠٢٤، ثم سُوّي بالأرض في غارة جوية إسرائيلية في ١٣ نيسان ٢٠٢٦. الصورة: إبراهيم أمير نعيم، CC BY 4.0

بالاضافة، تهدد إسرائيل القرى غير الشيعية إذا سمحت لعناصر حزب الله بالدخول إليها. ونتيجة لذلك، لا يحصل اللاجئون الشيعة المدنيون على المساعدة من جيرانهم من الطوائف الأخرى خوفًا من أن تتعرض تلك القرى للقصف الإسرائيلي. تتفاقم التوترات الطائفية في لبنان بسبب هذه الحرب، كما تتزايد مشاعر العداء تجاه إسرائيل. في لبنان يأخذون بجدية كبيرة دعوات شخصيات إسرائيلية يمينية متطرفة، من بينهم وزراء وأعضاء كنيست، لفرض حدود إسرائيلية جديدة عند نهر الليطاني، حتى وإن كان ذلك غير قابل للتطبيق عمليًا. كما أن تقارير عن النهب التي ينفذها جنود الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، والتي تتناولها وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية، تعزز صورة إسرائيل كمجتمع فقد بوصلته الأخلاقية. يحدث كل ذلك في لحظة تاريخية غير مسبوقة في لبنان. فلأول مرة منذ عقود، تؤيد الحكومة اللبنانية وشرائح واسعة من المواطنين نزع سلاح حزب الله والتوصل إلى تسوية مع إسرائيل تنهي الحرب وتسمح للبنان ببدء عملية إعادة إعمار سياسية واقتصادية. لكن عمليات التدمير واستمرار احتلال مناطق في الجنوب تمنح حزب الله بالضبط ما يحتاجه لتبرير وجوده: احتلال إسرائيلي لأراضٍ لبنانية، وقتل مدنيين، ودمار ونهب. أما المعسكر اللبناني الواسع الذي يرغب في نزع سلاح حزب الله وقطع علاقاته مع إيران والتوصل إلى تسوية سياسية مع إسرائيل، فيقف عاجزًا أمام ما يراه عدوانًا إسرائيليًا سافرًا يقلص فرص بناء مستقبل مستقر وعلاقات طبيعية بين البلدين. إن الجبهات العسكرية المفتوحة في غزة وإيران وسوريا ولبنان، إلى جانب استمرار التهجير والتطهير العرقي في الضفة الغربية، تُعد أجزاءً من سياسة أوسع. لقد تحول “نموذج غزة” إلى استراتيجية وسياسة معلنة، تدفع العدوانية العسكرية الإسرائيلية إلى أقصى حدودها، وتمنع في المقابل أي حلول سياسية كان من الممكن أن توفر أفقًا أفضل لإسرائيل والفلسطينيين ودول المنطقة.

آشر كوفمان هو أستاذ التاريخ ودراسات السلام ومدير معهد كروك لدراسات السلام الدولية في قسم التاريخ وكلية كيو للشؤون العالمية في جامعة نوتردام في الولايات المتحدة.